وقد توعَّد الله تعالى من تهاون في أدائها فأنقص من خشوعها ، وضيَّع من أركانها وواجباتها ، وأخرجها عن وقتها ـ مع أدائه لها ـ بالويل ! ، وهو شديد العقاب وأليم العذاب . قال تعالى: { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون } 13.
فما بالك بمن تركها وهجرها وأصبح لا يؤديها إلاَّ في الجُمع والمناسبات ؟!!
قال تعالى عن المجرمين:" { ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين } 14"
وهي ـ أيها الحبيب ـ أوَّل ما يُسأل العبد عليه من عمله يوم القيامة ، فإن صَلُحت وقُبلت ، فقد أفلح وأنجح ، وكانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة ، ومن تهاون في أدائها وضيَّعها ، فلم يقم بها كما أمر الله تعالى فقد خاب وخسر ، وحشر مع هامان وفرعون وقارون وأميَّة بن خلف ، وهو في الآخرة من المقبوحين !
قال تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } 15
احفظ الله .. في بصرك .
احفظ الله في جارحة النظر ، فلا تقلِّب البصر فيما حرَّم الله ، ولا تتبَّع به عورة عبد مسلم ، فإنه من تتبع عورة عبد مسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قعر داره !
ولا تنظر به إلى امرأة لا تحلُّ لك من أولئك النساء المتبرجات اللائى نزعن الحياء وكشفن الغطاء ، وعرَّين أجسادهنَّ كلَّها أو بعضها ، وأصبحن مبتذلات لكلِّ ناظر ، ومطمعًا لكلِّ فاجر ، فهنَّ كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، رؤوسهنَّ كأسنمة البُخت المائلة ، لا يدخلن الجنَّة ولا يجدن ريحها .
فلا تتبع النظرة النظرة ، فإنَّ لك الأولى وليست لك الثانية ، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، قال تعالى: { قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبير بما يصنعون } 16
كلُّ الحوادث مبدؤها من النظر ومستعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد محفوف على الخطر
يسرُّ ناظره ما ضرَّ خاطره لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
احفظ الله في: سمعك .
فلا تسمع به ما حرَّم الله تعالى ، ونزهه عن كلِّ ساقطٍ من قولٍ ، وقبيحٍ من حديث ، فإنَّه عاريَّة مستردَّة ، ونعمةٌ مستوفاة ، وأنت مسئولٌ عنه يوم لقاء الله . قال تعالى: { إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا } 17
وأحذر ـ أخي ـ كلَّ الحذر أن تُصغي بسمعك للمعازف والغناء ، فإنها تصدُّ عن ذكر الله تعالى ، وتزين المحرمات ، وتُغري بارتكاب الموبقات ، وتُفقد الإنسان مروءته وعدالته ورجولته ، وتطمس على قلبه وتُنبتُ النفاق فيه ، وتجعل القلب ساهيًا لاهيًا غافلًا عن ربِّه ومولاه ، وتزيد في الشهوة وتوقع في الشقوة ، فهي رقية الزنا ، ومهاد الفاحشة ، تقود إلى البليَّة ، وتوقع في الرزيَّة ، فيسقط العبد بها فيما يغضب الله ، وتوقعه فيما لا تحمد عقباه!!
وصدق الله حين قال: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه آياتنا ولىَّ مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا فبشره بعذاب أليم } 18
ولهو الحديث كما عرَّفه ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ؛ بأنَّه الغناء . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليكوننَّ من أمتي أقوام يستحلُّون الحر والحرير والخمر والمعازف"19
احفظ الله في: فرجك .
فلا تقضي شهوتك ووطرك في فرجٍ لا يحلُّ لك . قال تعالى: { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } 20
وأحذر الفواحش ودواعيها ، وكلّ ما يؤدي إليها من منظورٍ ومقروءٍ ومسموعٍ ، وكن من الحافظين لفروجهم . قال تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون * إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } 21
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"22.
قال تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق ولا يزنون * ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلاّ من تاب ..} 23
ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة عذاب الزناة وكيف يعاقبهم الله تعالى بشرِّ أعمالهم ،وقبيح أفعالهم ، والجزاء من جنس العمل ، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"رأيت الليلة رجلين أتياني ، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض مقدسة .."فذكر الحديث إلى أن قال:"فانطلقنا إلى ثُقبٍ مثل التنُّور أعلاه ضيِّقٌ وأسفلهُ واسعٌ ، يتوقَّدُ تحته نارًا ، فإذا اقتربَ ارتفعوا حتى كادَ أن يخرُجوا ، فإذا خَمدَت رجعوا فيها ، وفيها رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ ..."ثمَّ قال في آخر الحديث:"... والذي رأيتَهُ في الثَّقبِ فهمُ الزُّناةُ"24
احفظ الله في: عقلك .
فلا تُغطِّه بالمسكرات ولا تحجبه بالمخدرات ولا تتلفه بالخمور .
قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } 25
لقد كرَّم الله تعالى بني آدم بهذا العقل ، وميَّزه به عن سائر المخلوقات ، فكيف يسعى في جنونٍ من عقل ؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تشربِ الخمر فإنَّها مفتاح كلِّ شرٍّ"26. وقال صلى الله عليه وسلم:"من شرِب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلاَّ أن يتوب"27. وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنَّة مدمن خمر"28
وقال صلى الله عليه وسلم:"من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا ، وإن مات دخل النار ، فإن تابَ تابَ الله عليه ، وإن عاد فشرب وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا ، فإن مات دخل النار ، فإن تاب تاب الله عليه ، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا ، فإن مات دخل النار ، فإن تاب تاب الله عليه ، وإن عاد كان حقًا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة". قالوا: يا رسول الله ! وما ردغة الخبال ؟ قال:"عصارة أهل النار"29
احفظ الله في: قدمك .
فلا تمشي إلى حرام ، ولا تخطو بها إلى خطيئة . وإيَّاك ! إيَّاك أن تحملك هذه الأقدام إلى كاهن أو ساحر أو مشعوذ أو دجال ممن يدعون علم الغيب ، فيستحوذ على مالك بالخداع ، ويهدم دينك بالكذب ، ويسلب كرامتك وعقلك بالمراوغة !
فإنَّهم يتكلمون رجمًا بالغيب أو يستحضرون الجنَّ ليستعينوا بهم على ما يريدون ، فلا يجوز الذهاب إليهم ولا سؤالهم ، ولا تصديقهم ، ولا السكوت عليهم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا"30
وقال صلى الله عليه وسلم:"من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد"31
فيا أيها الأخ المبتلى: إذا ألمَّ بك الألم ، أو مسَّك السَّقم ، أو أمضَّك المرض ، أو تغشَّاك السوء ، فالجأ إلى الذي بيده الشفاء ، وبأمره دفع البلاء ؛ وهو الله ! ولا أحد سواه . قال تعالى: { أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلهٌ مع الله . قليلًا ما تذكرون } 32 .
مع الأخذ بالأسباب ، والاعتماد أولًا وآخرًا ، ظاهرًا وباطنًا على مسبِّب الأسباب ورب الأرباب ، فما مِن داءٍ إلاَّ وله دواء ، علمه من عمه ، وجهله من جهله ، وقل مقالة العبد الصالح والرسول الناصح: { وإذا مرضت فهو يشفين } 33
احفظ الله في: بطنك .