وقبل الخوض في حكم هذه الرسوم أشير بإيجاز إلى التكييف الفقهي للعلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها ، وأشهر الأقوال في ذلك ما يلي:
1ـ أن العلاقة بينهما ضمان ، فالمصدر ضامن للحامل ، فإن كان ذلك قبل استخدامها فهو من ضمان ما لم يجب ، وهو جائز شرعًا عند جمهور الفقهاء (23) ، وهذا التكييف رجَّحه بعض الباحثين في المجمع الفقهي (24) .
ونوقش بأن هذا التكييف لا يشمل عملية السحب النقدي من مصدر البطاقة ، فهذه العملية ليس فيها ضمان ، فلا يشملها هذا التكييف (25) .
كما نوقش بأن الضمان يعني ضم ذمة إلى ذمة أخرى في المطالبة ، بحيث يستطيع الدائن مطالبة الضامن أو المضمون عنه ، لكن التاجر لا يملك مطالبة حامل البطاقة (26) .
وقد أجيب ذلك بما يلي:
أـ أن بعض الفقهاء أجاز في الضمان اشتراط براءة ذمة المضمون عنه ، وهو مذهب الحنفية والمالكية .
قال العيني في البناية:"والمكفول له بالخيار إن شاء طالب الذي عليه الأصل ، وإن شاء طالب كفيله ... إلاَّ إذا شُرط في عقد الكفالة براءة الأصل" (27) .
ب ـ أن جمعًا من الفقهاء يرون أن الدَّين ينتقل إلى ذمة الضامن ، وليس للدائن أن يطالب الأصيل (28) .
ج ـ أن ذمة حامل البطاقة لا تزال مشغولة ، وعدم مطالبته ليس لبراءتها ؛ بل لأن البنوك ملتزمة بالوفاء ، ولا يوجد حالات عجزت فيها عن الوفاء حتى يطالب الحامل .
د ـ أن أهل الخبرة والاختصاص في أمور البطاقات لا ينفون حق التاجر في مطالبة حامل البطاقة ، ولا يعول في ذلك على نصوص العقود (29) .
2ـ أن العلاقة بينهما حوالة ، أي: أن الحامل يحيل التاجر على المصدر ، وهذا تكييف بعض أعضاء المجمع (30) ، وقال بعضهم: ضمان قبل استخدامها حوالة بعده (31) .
ويمكن أن يُناقش بأن الحوالة لا تكون إلا بدين ثابت ، وقبل استخدام البطاقة لم يثبت دين في ذمة حاملها ، وأما بعد الاستخدام فالقابل لها لا يطالب حاملها ليس لأنه أحاله على المصدر، وإنما لالتزام المصدر بسداد ديون الحامل للقابل ثقةً بملاءتة المالية ، وهذا معنى الائتمان .
وقد أضاف بعضهم الوكالة إلى الضمان أو الحوالة ، لكن ذلك مناقش بأن حامل البطاقة لا يملك الدفع للتاجر ، والوكالة لا تكون إلا في تصرف مملوك للموكِّل (32) .
3ـ أن العلاقة بينهما علاقة بين مقرض (مصدر البطاقة) ومقترض (حامل البطاقة) (33) .
ويمكن أن يُناقش بأن حامل البطاقة قد لا يستخدمها ، ولا بد في القرض من دفع مال ورد بدله ، ثم إن بين الائتمان والقرض فروقًا كثيرة _كما سبق_ .
4ـ أن العلاقة بينهما تتركب من عقدين: عقد الضمان وعقد القرض، فهي عقد ضمان يؤول إلى القرض في عمليات الشراء والاقتراض من غير مصدر البطاقة ، وعقد وعد بالقرض يؤول إلى القرض في عملية السحب النقدي من مصدر البطاقة (34) ، وهذا هو الأظهر .
وإذا كان الضمان جانبًا رئيسًا في هذه العلاقة، فإن مما يجدر ذكره أن الفقهاء مجمعون على تحريم أخذ الأجرة على الضمان (35) ؛ وذلك لأن الضامن له حالتان:
1ـ أن يدفع الدَّين نيابة عن المضمون عنه ثم يرجع إليه ، فيكون الأجر المشترط من المنفعة المشروطة في القرض ، وهذا محرم .
2ـ ألا يدفع الدين ، فيكون اشتراطه للعوض من أكل أموال الناس بالباطل (36) .
وقد اختلف المعاصرون في حكم أخذ الرسوم على إصدار البطاقة على أقوال:
القول الأول: أنه يحرم أخذ الرسوم، وهذا رأي بعض أعضاء مجمع الفقه كالدكتور محمد القري، وبعض المناقشين حول هذا الموضوع (37) .
أدلة هذا القول:
1ـ أن العلاقة بين المصدر وحامل البطاقة ضمان ، وأخذ هذه الرسوم من أخذ الأجر على الضمان ، وهو محرم _كما سبق_ (38) .
ونوقش بأنه لا يظهر أن هناك علاقة بين الرسوم والضمان ، (( إذ لا فرق في فرضها ومقدارها بين ما إذا استخدمها حاملها بمبالغ كثيرة أو قليلة أو لم يستخدمها بتاتًا ) ) (39) .
2ـ أن الائتمان الذي يقدمه المصدر شبيه بالقرض ، فما يأخذه من رسوم فيه شبهة الربا باعتباره من المنفعة المشروطة في القرض (40) .
ونوقش بأنه لا علاقة بين القرض وبين هذه الرسوم ، إذ تُفرض ولو لم تستخدم البطاقة، وهي رسوم مقطوعة لا تتغير بتغير دين حامل البطاقة ، ثم إن الرسوم تكون عند الإصدار، أي قبل وجود القرض الذي لا يحصل إلا باستخدام المشترك للبطاقة (41) .
3ـ أن بعض البطاقات كالبطاقة الذهبية تقدِّم خدمات محرمة كالتأمين على الحياة ، وهذا مأخوذ في الاعتبار عند تقدير هذه الرسوم ، فيحرم أخذها لذلك (42) .
ونوقش ذلك بأنه يحرم الزيادة في الرسوم من أجل المنافع المحرمة، ولا يعني ذلك تحريم كل رسم في أي بطاقة ؛ لأن هذه الخدمات المحرمة لا تقدمها جميع المؤسسات المالية .
4 ـ أن هذه الرسوم في مقابل عدد مرات استفادة حامل البطاقة من التسهيلات المالية التي تمنحها البطاقة ، وهذه المرات غير معلومة العدد ، فالعقد لا يخلو من غرر وجهالة (43) .
ويمكن أن يُناقش ذلك بأن الرسوم في مقابل تكاليف الإصدار ، ولا علاقة لها بعدد مرات الاستخدام ، حتى إن حاملها يدفع الرسوم ولو لم يستخدمها إطلاقًا .
القول الثاني: جواز أخذ هذه الرسوم، وهذا رأي أكثر الباحثين الذين تصدوا لدراسة أحكام هذه البطاقات ، وهو ما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات الشرعية ، كمجمع الفقه الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (44) ، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين (45) ، والهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (46) ، وهيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بيت التمويل الكويتي (47) ، وندوة البركة الفقهية الثانية العشرة (48) ، واختاره كثير من الباحثين كالدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، والدكتور عبد الستار أبو غدة، والدكتور رفيق المصري، والدكتور نزيه حماد، والشيخ عبد الله بن منيع (49) .
ومن أدلة هذا القول:
1ـ أن هذه الرسوم في مقابل تقديم الخدمات المصرفية من شراء السلع والخدمات وعملية السحب النقدي من فروع بعض البنوك أو الأجهزة التابعة لها، وهي أجرة مقطوعة لا علاقة لها بمقدار دين حامل البطاقة ، فهي أجرة في مقابل عمل (50) .
وقد يُقال: إن من أهم الخدمات المصرفية الائتمان القائم على الضمان ، فقد يكون فيها شبهة أخذ الأجرة على الضمان .
2ـ أن إصدار هذه البطاقات تكلف البنك أعمالًا إدارية كثيرة كتجهيز البطاقة وإرسال الإشعار وإجراءات فتح الملف وتعريف الجهات التي قد يحتاج للتعامل معها وما يترتب على ذلك من أعمال مكتبية وموظفين واستئجار مواقع للأجهزة وإجراء اتصالات هاتفية وتكاليف الاشتراك في المنظمات ، فهذه الرسوم في مقابل هذه التكاليف (51) .
ويمكن أن يُناقش بأن مجموع الرسوم قد يزيد كثيرًا على هذه التكاليف خاصة مع كثرة البطاقات المصدرة ؛ لذا فلا بد من التأكيد على أن تكون الرسوم في مقابل التكلفة الفعلية خروجًا من شبهة الأجر على الضمان والمنفعة المشروطة في القرض فيما زاد عن التكلفة .
3ـ على تكييف العلاقة بين المصدر والحامل بأنها قرض ، فهذه الرسوم تعد من أجور خدمات القروض ، وقد أجاز مجمع الفقه في دروته الثالثة هذه الأجور بشرط أن تكون في حدود النفقات الفعلية ، وأشار بعض الفقهاء إلى ما يشبه هذه الصورة (52) .
وقد سبق ما في تكييف العلاقة على أنها قرض .
القول الثالث: التفصيل ، وذلك أن الرسوم على أقسام:
أـ التكاليف والنفقات الفعلية ، وهذه جائزة إذا لم تكن تكاليف أمور محرمة كالتأمين وتم تقديرها بدقة وعدل .
ب ـ رسوم الضمان ، وهذه لا يجوز أخذها لما مضى .