لم أر جرأة مثل هذه الجرأة في التطاول على أحكام الشريعة ، تغيير وتبديل وتعطيل وتمييع لأحكام الله من غير ذكر لدليل يستند عليه أو ذكر لقول عالم يستأنس به ، وإنما مجرد تعالم مبني على جهل مركب وهوى أعمى وغايات خبيثة ، ولم يكتف بهذا الكذب على الشريعة في حد التحريم؛ بل يرى أن التحريم عند علمائنا ليس مبني على علم؛ بل الغلو والمصالح هي وراء التحريم وليس النص، فيقول:"المشكلة أن الغلو، والأغراض السياسية، والمصالح الشخصية في التاريخ الإسلامي، قلبت القاعدة، فتحول التحريم إلى أصل، والتعددية إلى أحادية، والشريعة إلى تفصيلات قياسية اجتهادية فردية تتعلق بكل شأن من شؤون الدنيا، منحت صفة النص المقدس، رغم أن النص المقدس قليل وعام في أضيق الحدود لقد أصبحت مقولة"الإسلام دين ودنيا"مقولة مضللة أكثر الأحيان، وأدت إلى ظهور طبقة من رجال الدين المتحكمين في كل تفاصيل الحياة [32] "وهذا اتهام لعلماء الإسلام ، وتشويه لتاريخنا، وهذا إن كان يصدق على بعض العلماء ـ وهم قلة في التاريخ الإسلامي ـ إلا أن البحث العلمي يتحتم الإنصاف في الحكم وعدم التعميم للقضايا الفردية . واحترام علماء الأمة والذين هم رم!
وز وقدوات يستضيئون بعلمهم، فهو يقول عن الشافعي العبقري واضع علم أصول الفقه:"فما قام به الشافعي هو أنه وضع قيودًا على عمل العقل، أي عقلن العقل [33] "وهو حق أن الشافعي وضعًا قيودًا ليمنع العقول الفاسدة من التلاعب بأحكام الشريعة ، فحجز السفهاء وحجر على عقولهم وقولهم من أن ينال من هذه الشريعة الغراء، فهي محفوظة باقية ثابتة ما دامت السموات والأرض، فهذه القواعد التي وضعها الشافعي وغيره كفيلة بأذن الله أن تجعل الشريعة الإسلامية نقية ناصعة صالحة لكل زمان ومكان.
ولم يكتف الكاتب بهذه الأباطيل، بل جعل مذهب الأشاعرة هو الوحيد لمعرفة الحقيقة وهو مذهب أهل السنة والجماعة. يقول:"مع الاعتراف بمنهج الإمام الشافعي في الشريعة، والأشعري في العقيدة، والغزالي في الفكر، بصفتها سبلًا شبه وحيدة للوصول إلى الحقيقة، وبصفتها الأركان الثلاثة للوسطية الإسلامية... لقد تشكلت هذه الأركان تحديدًا، بالإضافة إلى روافد فرعية، ما أصبح يعرف بمذهب أهل السنة والجماعة [34] "لست أدري لمن يكتب الكاتب! أيظن أن القارئ جاهل أحمق حتى لا يعرف منهاج أهل السنة والجماعة! والزعم أن مذهب الأشعري هو المسلك الوحيد لمعرفة الحقيقة وأنه هومذهب أهل السنة والجماعة فهذا الإدعاء يرده الأشعري والغزالي كلاهما؛ فقد تبرأ الأشعري من منهجه ووضع كتابه"الإبانة"معلنًا فيه رجوعه إلى ما عليه الإمام أحمد وهو مذهب أهل السنة والجماعة، والغزالي يتبرأ من علم الكلام ومسلك الفلاسفة كما في كتابه"تهافت الفلاسفة"وأن العقل محكوم بالنص ولا يستطيع لوحده أن يدرك الغيبيات.
كنت أتمنى أن يحترم الكاتب عقل القارئ وأنه ليس عقلًا ساذجًا يقبل كل فرية تقال، فالكاتب لا يتردد بأن يسطر ما شاء دون مبالاة بما يقول، ولذلك تجد كتابه خال من البرهان العقلي أو الدليل الشرعي، فيثبت وينفي حقائق علمية بدون ذكر أي برهان على صحة قوله ومن ذلك مثلًا قوله:"لظروف عملية، وسياسية تحديدًا، لا علاقة لها بالمسألة المعرفية، صنف الأئمةالأربعة على أنهم ينتمون إلى منهج واحد، بغض النظر عن الدقة المنهجية [35] "وكذلك تقريره أن منهج المرجئة والمعتزلة هما كمنهج أهل السنة ولكن لأمور سياسية هي التي خرجتهما من هذا المنهج، فيقول:"المرجئة والمعتزلة مثلًا، يستمدان شريعتهما من المرجع ذاته، القرآن والسنة، وبالتالي فإنهما معرفيًا يقفان على قدم المساواة، والشيء نفسه يمكن يقال عن البقة. ولكن، الأيديولوجيا، وليست الابستمولوجيا [36] ، هي التي تقف وراء سلطة مذهب دون آخر، أوتار سياسي دون آخر، وبالتالي هذه الأحادية التي يحاول البعض، قديمًا وحديثًا، فرضها على الإسلام [37] "
وهكذا يلقي الكاتب الكلام على عواهنه من غير ذكر أي دليل يثبت صحة مزاعمه، فألفاظ زور يلقيها الكاتب الأكاديمي لا يبنى على أسس علمية، أوحقائق تاريخية مبنية علىالبحث والاستقراء، فليدرك القارئ أن هذه محاولات من الكاتب وأمثاله لتشويه تاريخنا، وتمييع العقيدة وأنها عامة غير منضبطة بقواعد وأصول، وأن التصنيف العقدي نتج بسبب قضايا سياسية ليس لها علاقة بالمنهج الإسلامي. كل ذلك من أجل تغريب الأمة.
رأي الكاتب في الصحوة:
يشتد الكاتب غضبًا، ويتحسرألمًا عندما يرى الاكتساح الأصولي ـ على حسب وصفه ـ في هذا العصر، فيقول ـ وقد ركب السيل الدّرج ـ بتبجح ووقاحة:"هل استطاع المثقفون والمفكرون العرب على اختلاف اتجاهاتهم وميولهم ومذاهبهم، وما أنتجوه من فكر، أن يزرعوا قيما معينة تظهر في سلوك المواطن العادي (العامة) الذي هو محل كل خطاب يطرحه المثقف المنشغل بإشكاليات العصر، وقضاياه ... الجواب بصفة عامة هو لا، وإلا كيف نفسر ذلك الاكتساح الأصولي للساحة السياسية والثقافة العربية المعاصرة، والذي هو دعوة إلى قيم تقليدية بحتة بأفج صورها وسطحيتها، وأنماط سلوك لا تنتمي للفترة المعيشة، رغم مرور قرنين من محاولات التنوير والحداثة والنهضة [38] "
والسؤال هل الدعوة إلى التمسك بقيم الوحي، قيم تقليدية فجة سطحية لا تتناسب مع العصر؟ كلام في غاية الخطورة؛ إذ فيه استحقار وإزدراء واستهانة بقيم الدين، وهذا هو ديدن الكاتب دائمًا الاستهجان بكل ما يتعلق بثقافتنا الإسلامية الأصيلة، ولا يرى التقدم والتنوير إلا من الغرب، فتأمل كيف يصف بتبجح بداية الغزو الفرنسي على مصر (1798ـ1801) بأنها بداية التنوير والحداثة فهذا يدل على جهل وانهزامية نفسية عميقة لدى الكاتب، فالحملة الفرنسية التي قام بها"نابليون"على مصر حملة صليبية يراد منها هدم معقل من أكبر معاقل الإسلام الفكرية والعلمية، لقد كان يهدف هذا التنوير إلى"تنحية الشريعة الإسلامية وهي أول نقاط المخطط التي بدأ بتنفيذها بالفعل [39] . وهذا التنوير هو الذي ضرب الأزهر، وجلب البغايا ونشر الفاحشة."
ختامًا: فهذه مقتطفات خاطفة لبعض ما كتبه الكاتب، وقد حاولت أن تكون هذه الكتابة مختصرة، فلم أذكر كل ما رصده القلم، وذلك خشية الملالة، فاقتصرت على البعض، والبعض يدل على الكل. وخطر الكاتب واضح بيّن لذلك لم أذكر الأدلة الشرعية والعقلية على ما ضل به قلم الكاتب؛ إذ أن الهدف هو تحذير الأمة من هذا الكتاب لما فيه من مخالفات عقدية، وتجاوزات شرعية. ولولا أنه يباع في أسواقنا لما كتبت عنه . فالكتاب ليس له هوية، أو طرح علمي رصين، يستحق المناقشة العلمية الجادة، لذلك اكتفيت بالعرض لهذه المفاهيم الخاطئة.
وكتبه: مبارك عامر بقنه
[1] يتصف الكاتب باستخدام مصطلحات كثيرة تتسم بالغموض والإبهام والرمزية، فكثير من الأحيان لا يعرف أحد معنى هذه المصطلحات أحد إلا هو وشيطانه، ويقصد بالموضوعوية هنا أنها نزعة علموية تقف موقفًا نهلستيًا (عدميًا) وليس حياديًا تجاه القضايا التي تثيرها حياة الإنسان. بخلاف الموضوعية والتي تقف موقف الحياد لكنها لا تقف موقف العدمية. ولا شك أنه لا يمكن أن يكون الإنسان في لحظة من لحظات حياته في خالة عدمية تجاه القضايا الإنسانية، فهذه افترضات ذهنية لا توجد في الخارج.
[2] ص (11) [3] ص (45) [4] ص (118) [5] ص (63) ، (42)
[6] كثيرًا ما يذكر الكاتب المطلق مع أنه يرفض المطلق.
[7] ص (90) [8] ص (17) [9] ص (17) [10] ص (17)