إن تغيير الشريعة وتحويلها هو في الحقيقة تحويل للعقيدة، فإننا نعتقد أن نصوص الشريعة من الله، وأنها تتوافق مع الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان ولن تضيق أو تعجز يومًا في تقديم أرقى وأسمى ما يصبو إليه الإنسان، وإننا نعتقد أنه لا يحل لأحد من البشر كائنًا من كان أن يبدل شريعة الله، فيحل الربا والخمر والزنا من أجل ضرورات المجتمع وطبيعة الحياة المعاصرة، فهذا نوع من رفض وإعراض عن شرع الله، فتغيير وتبديل الشريعة هو عزل للدين عن الحياة.
وعقيدة الأمة في باب الأسماء والصفات وأفعال الرب لم تحارب من المتغربين كما حاربت الشريعة، والتي تمثل نظام متميز بقوانينه ومبادئه في جميع شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفيما يتعلق بشؤون المرأة والتعليم، وقد أرتأ أهل الزيغ والضلال بعزل النظام الإسلامي عن الحياة وعن المجتمع وجعل الدين هو علاقة بين العبد وربه، وأما الشريعة وتطبيقها فهي مسألة متغيرة متحولة ليست ثابتة تتشكل وفق حاجة الزمان والمكان فلا يمنع من تطبيق النظام الرأسمالي مثلًا لأنه هو الأنسب في هذا العصر، ونحن لسنا ملزمين بتطبيق الشريعة؛ إذ أن الشريعة متحولة متغيرة فيمكن تغيرها إلى النظام الغربي. سخف من القول وزورا. إن موقف المؤمن المسلّم بأمر الله هو الاستسلام والانصياع لأمر الله كما قال الله تعالى:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ"وهذا القضاء يكون في الأمر الشرعي ؛ فإن قضاء الرسول عليه الصلاة والسلام يكون في الأمر الشرعي التعبدي ، فالآية صريحة بأنه لا خيرة لنا في حكم الله وقضاءه الشرعي لا تغيرًا ولا تبديلًا ولا تحويلًا لأحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا القول الكريم مطلق لا يقيده زمان أو مكان ، وتقييد ما أطلقه الله من غير دليل هو تحريف للكلم عن مواضعه، فليس لنا الخيرة فيما قضى الله ورسوله في جميع الأزمنة والأمكنة؛ حتى وإن بدأ لنا أن حكم الله ورسوله لا يتناسب مع الزمان والمكان، وهذا افتراض لا يمكن وقوعه، ولكن نذكره جدلًا ، فإن المؤمن ليس له الخيرة إلا التسليم لله ولرسوله ، وعدم تغيير النصوص وتبديلها. وما حدث للأمة من انتكاسة وتخلف هو نتيجة عن تعطيلهم نصوص الشريعة عن التطبيق والامتثال، وتأويل النصوص عن غير مراد الله ، فأحدثوا في الدين ما ليس منه ، فكثرت البدع والخرافات والانحرافات الفكرية والعملية فكان ذلك سببًا في تسلط العدو علينا. فالخلل ليس من الشريعة؛ وإنما الخلل في تطبيق الشريعة وفي فهمها وكيفية التعامل معها. وهذا ما وقع فيه الكاتب، فهو لم يدرك حقيقة الشريعة الربانية ، وتوائمها مع الطبيعة البشرية ، وخلله ينبع من انبهاره بالحضارة الغربية المادية ، وجعلها المقياس الصحيح لصحة النظم وتقدم البشرية.
الكاتب وتطفله على العلم الشرعي:
مما يحزن المرء ويمرضه هو تطفل كثير من الكتاب والمثقفين على العلم الشرعي، والتعامل مع العلم الشرعي كأي علم إنساني آخر ليس له خصوصية أو ميزة، فالكل له حق الطرح في القضايا الشرعية وانتقاد مناهج العلماء بزعم أن هذا الدين ليس حكرًا على طائفة.
ولا شك أن الدين ليس مخصوصًا لطائفة معينة ولكن الفتى وتقرير المسائل العلمية هو لطائفة معينة لا يشاركهم فيها إلا من اتصف بصفاتهم، فالله عز وجل لم يجعل لكل أحد أن يتكلم في القضايا الشريعة بما شاء؛ بل جعل هناك مرجعية لمعرفة أحكام الله، وهم العلماء الربانيين الذين بذلوا مهجهم في طلب العلم وتحصيله ، فهم الذين لهم الحق في الحكم والفتيا كما قال الله تعالى:"فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"فهذه الطائفة قد خصصت نفسها في التفقه في دين الله ، فجعل الله لها الحق في إنذار أقوامهم.
ومن آفات هذا العصر عدم احترام التخصص، وهذا ما سقط فيه الكاتب فقد انتقد مناهج العلماء ، وحاول رفض رأيهم من غير استدلال يستدل به فهو يمنع القياس ويجعل القياس يقيد العقل فيقول:"بقي العقل العربي الإسلامي، بصفة عامة، أسير قضية القياس، دون اعتبار لحركة الواقع [28] "فالذي يحكم على النص هي حاجة الواقع، ومتطلبات العصر وليس النص فيقول:"الانطلاق من الحادثة نفسها للحكم عليها، في إطار متغيرات وحاجات المجتمع المتجددة، وليس مجرد إخضاعها لقياس شاهد حديث على غائب قديم، أو حتى إخضاعها لنص أصلي، طالما أن التغيرات التي أحاطت بإنتاج النص، ليست هي ذاتها المحيطة بتكرار الحادثة [29] "
وهكذا يضع أصلًا جديدًا للتشريع هو حاجات المجتمع، وكأن الإسلام يتصادم مع حاجات المجتمع. وفي رأي الكاتب أن النص يعالج قضية آنية حادثة لا يصح نقلها إلى مجتمع أو عصر مغاير ، فالنصوص ليست كلية ؛ بل هي لحالات فردية لا يحق لنا إصباغها بالعمومية والشمول. وقصر الأحكام الشريعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو دعوة صريحة لتعطيل الشريعة وأنها غير صالحة لهذا الزمن إذ أن تركيبة وطبيعة المجتمع الحديث يختلف عن المجتمع الذي انتج في النص، ويمكن من هذا الباب مثلًا تحليل الربا لأن تحريم الربا جاء في عصر ساد فيه ظلم الأغنياء للفقراء، أما في هذا العصر والذي اصبح فيه التعامل المالي عن طريق المصاريف المالية فإن الفقير لا يلحقه ظلم ، وهذا ما قرره الكاتب بأن التحريم مبني على مقدمات غير صحيحة وهو التشابه بين واقعة حادثة مع واقعة سابقة ، فيقول:"إن التشابه منطقيًا لا يفيد التجانس المطلق، لدرجة التوحد. بقدر ما يفيد الاختلاف بحسب درجاته. فالبنوك، وهي مؤسسات حديثة، تتعامل بالفائدة، والفائدة تبدو متشابهة مع الربا القديم. وطالما أن الربا محرم، فالفائدة ربا أذن، وبالتالي فهي محرمة ، نقطة الانطلاق إذن ليست هي الحدث ذاته أو المتغير ذاته، البنوك هنا، ولكنها العملية الذهنية نفسها، التي تحولت إلى هدف باذته، وبذلك انقلبت المعادلة. [30] "وهذا الكلام يشعرك أن الكاتب لا يفقه معنى القياس، وما ضوابط ثوابت العلة وانتفائها، ولا أظنه قرأ أقوال العلماء في هذا الباب العظيم، فقوله أنها عملية ذهنية يدل دلالة قطعية أنه لا يدرك من القياس إلا قوله التشابه بين واقعتين لاحقة وسابقة، فالضوابط التي قررها علماء الأصول من تحقيق المناط ، وتنقيحه ، وتخريجه ، وشروط ثبوت العلة، وقوادح العلة ، كل ذلك يجهله الكاتب لذلك أتى بالعجائب .
وهذه السفسطة من الكاتب هي تلاعب بالأصول الثابتة، ومحاولة لعزل الدين عن واقع الناس، وإشعارنا أن الدين يتعامل مع قضايا سابقة قد اندثرت، وأنه لا صلة بين الدين والواقع وإن تشابهت الواقعة لأن الحدث تغير، وأن النص محدود لا يمكن أن يكون لكل زمان ومكان.
وتجد مسألة التحريم عند الكاتب من أشد المسائل وأعسرها، فيقول:"التحريم لا يكون إلا بنص جامع ومانع أي بنص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة. وحتى في مثل توافر مثل هذا النص فإن القراءة وفهم النص خاضعة للظروف المحيطة بمن يقرأ ،وكيف يقرأ، وأين ومتى [31] "وهذا الحد للتحريم لم يسبقه أحد من العالمين، فهنيئًا له هذا العلم! وبهذا الحد للتحريم لن يكون هناك حرام مطلقًا ، حتى وإن وجد النص الجامع المانع فإن الظروف المحيطة تغيير الحكم.