فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 1226

وليعلم أصحاب الأموال أن لله حقًا فيها ، فعليهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم فيها ، فطرق الخير كثيرة وعديدة لمن أراد ذلك ، ومنها بناء المساجد والمساهمة فيها ، ومساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل واليتامى وما أكثرهم في ، فالله يعلم بحالهم ، هناك أسر لا تعرف من الطعام إلا الخبز اليابس المدهون بالماء ، وهناك أسر تلتحف السماء ، وبيوت إذا دخلتها كأنك في العصور الغابرة التي لا تعرف من التقدم والمدنية شيئًا وما ذاك إلا لقلة ذات اليد ، وهناك أطفال تشردوا ، ونساء ضعن ، بسبب الفاقة وكثرة الحاجة ، فالله المستعان وعليه التكلان ، سألوكم ممن مال الله الذي آتاكم ، طلبوا من إخوانهم العون ومد يد المساعدة ، ومنهم من بادر ثم انقطع ، ومنهم من أعرض ولم يستمع ، فشكواهم إلى الله ،:"وفي السماء رزقكم وما توعدون"، قال صلى الله عليه وسلم:"من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه ( يعني شدقيه ) يقول أنا مالك أنا كنزك" [ البخاري ] .

ثم ليتق الله من يتعامل بالربا ، فالربا حرب لله ولرسوله ، وقد عده النبي عليه الصلاة والسلام من السبع الموبقات أي المهلكات ، والربا محرم بالكتاب والسنة ، قال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة ، وصاحب الربا ملعون ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله" [ رواه مسلم ] ، وزاد الترمذي وغيره:"وكاتبه وشاهديه"، وليتق الله من ينفق ماله فيما حرم الله من قمار وميسر وبيع وشراء محرم وغش في معاملاته . كالاشتراك في المسابقات ذات الاتصال المدفوع ، سواءً عن طريق البطاقة أو عن طريق الهاتف ، فكل ذلك من القمار والميسر ، أو المشاركة في المسابقات التي تعرض عبر الشاشات ، كمسابقة رمضان للكبار والصغار ، ومن يربح المليون ، أو الاتصال عن طريق الجوال في من يربح خمسة مليون دولار ، أو ماشابه ذلك من المسابقات المحرمة شرعًا ، وقد صدرت فتوى هيئة كبار العلماء بهذا الخصوص ، قال تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } المائدة ، وليتق الله من دأبوا على أكل أموال اليتامى ظلمًا وعدوانًا ، قال تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا } النساء ، وليحذر أولئك الذين يتعاملون بشتى أنواع البيوع المحرمة والمكاسب المحرمة مثل: بيع الدخان والشيشة وبيع آلات اللهو والطرب وبيع أشرطة الغناء ، وأشرطة الفيديو والمجلات الخليعة التي تدعوا إلى الرذيلة والبعد عن الحق والدين ، ولينته من يؤجر محلاته على من يبيع الحرام للمسلمين ومن ينشره بينهم ، فليتق الله أولئك الناس ، فكل هذه المكاسب محرمة وهي وبالٌ على أصحابها ، فإن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه ، وليحذر من يتعامل بالرشوة فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الراشي والمرتشي والرائش" [ رواه الترمذي وابن حبان والحاكم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به" [ رواه البخاري ] ، وعند الترمذي قال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام"، فأولئك سيسألون عن هذه الأموال من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها ، فلا يغتر أولئك بهذه الحياة وما بلغوا فيها من درجات وما كسبوا فيها من أموال ، فها هو قارون الطاغية أعطاه الله عز وجل من الكنوز ما يعجز عن حمل مفاتحه الأقوياء من الرجال ، فعصى واستكبر وعاند وما عرف حق الله في هذا المال فما كان مصيره ، يقول الله عز وجل في سورة القصص: { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } إلى أن قال تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } .

فاحذروا أيها المسلمون من المال الحرام فهو سبب للهلاك والدمار وعدم إجابة الدعاء ، فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام:"الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنا يستجاب لذلك" [ رواه مسلم ] . ومن المال المحرم أن يستدين الإنسان مالًا ثم يجحده ، قال صلى الله عليه وسلم:"من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" [ رواه البخاري وابن خزيمة ] ، ويحسب هذا أن ما استدانه من مال ثم جحده سينفعه يوم القيامة ، بل سيكون وبالًا عليه ، وحسرة وندامة ، ويسدد ما عليه من الدين حسنات بدل النقود ، فانتبهوا واحذروا وردوا الأموال التي استدنتموها إلى أهلها قبل أن يذهب قطار العمر ثم لا ينفع الندم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" [ رواه الترمذي وهو حديث حسن ] ، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال:"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [ رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة" [ رواه البخاري ] ."

ثم هنيئًا لأولئك الذين عرفوا الله عز وجل وتاجروا معه سبحانه التجارة الرابحة وأقرضوا الله القرض الحسن ، فهنيئًا لهم ، ويالفوز أولئك الذين أنفقوا أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية لا يريدون إلا الله ، ويبتغون الدار الآخرة ، يسألون الله الجنة ويعوذون به من النار، قال صلى الله عليه وسلم:"اتقوا النار ولو بشق تمرة" [ متفق عليه ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت