فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 1226

هذه كلمات أوجهها إلى كل مسلم ومسلمة ، عن أمر عظيم ، فيه استدراج من الله تعالى لهم ، وهم في غفلة معرضون ، وعن العبادة منشغلون ، هذا الأمر الناس فيه ما بين فرح مسرور ، وحزين مثبور ، أمر إما نعمة ، وإما نقمة ، نعمة لمن عرف نعمة الله فيه ، ونقمة لمن كفر نعمة الله فيه ،"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"، هذا الأمر هو المال ، وتعالوا بنا نجوب طرق هذا المال ، وكيف يعيش الناس حياتهم معه ، فهي أمور عجيبة غريبة ، تكاد لا تصدق عندما تسمع ، ولكنه الواقع الذي مفر منه ، ولا محيد عنه ، لقد انشغل الكثير والكثير من الناس اليوم بحب المال ، شغلهم عما عداه وأنساهم عن كل ما سواه ملأ القلوب حبُ المال حتى لم يبق في القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفاء والإخاء وتكون العداوة والبغضاء ، أصبح المال هو القطب الذي تدور حوله القلوب وأفعال العباد في هذا الزمان . فالقلوب في سرور مادام المال سالما ولو سبب ذلك انهيار الشرف والأخلاق ، ودمار الدين والنفوس ، فالناس في تواصل ما لم يُطلب المال وإذا طُلب المال فالنفوس في عداوة وبغضاء ، قال تعالى: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } [ التغابن ] .

لقد افتتن كثير من الناس اليوم بحب المال ، وجمعه من أي طريق ، وفي أي وقت ، وانظر إليهم ، وهم حول أجهزة الصرف الآلي يتحلقون ، وعن الصلوات يتخلفون ، فأي ضياع بعد هذا الضياع ، منادي الله يناديهم الله أكبر ، يعني الله أكبر من النفس والولد والمال ، ومن كل شيء ، والمال عندهم أكبر ، منادي الله يناديهم ، حي على الصلاة ، يعني هلموا إلى الصلاة ، أقبلوا إلى الأجر العظيم من العزيز الحكيم ، وأكثرهم عن الصلاة غافلون ، وبحب المال منشغلون ، فيالها من عاقبة سيئة ، الكثير ممن يقفون جماعات حول آلات الصرف الآلي لا يبالون بالصلاة أأقيمت أم لم تقم ، أفرغ الناس من صلاتهم أم لم يفرغوا ، المهم أن يصرف حفنة من المال ، وما هي إلا ساعات ، أو أيام قلائل وأصبح الراتب في خبر كان ، والله إن صرف المال من تلك الصرافات ينتظر ، وصلاة الجماعة إذا فاتت لا تعوض ، فهب أنك وقفت وسمعت الناس يصلون ، وأنت عند الآلة قائمة تنتظر دورك لتصرف راتبك ، ثم أتاك دورك ، ولكن ليس الدور الذي كنت تنتظره ، بل الدور الذي لم يخطر لك ببال ، ولم يدر بخلدك بحال ، فاتاك هادم اللذات ، ومفرق الجماعات ، أتاك من الله اليقين ، أتاك ملك الموت الذي لا تقف له الحواجز ، ولا تقفل في وجهه الأبواب ، ولا يهرب منه مطلوب ، ولا يفوته مرغوب ، تخيل أنك في ذلك الصف الطويل ، ثم جاء دورك ، ووقفت بجانب الآلة لتصرف مالك ، والناس بعدك ينتظرون ، وإليك ينظرون ، ولكن:"وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد"، ثم لم تحرك ساكنًا ، فقد شل الله أركانك ، وأعمى بصرك ، وأصم سمعك ، وفقدت جميع حواسك ، انتهت الصلاة في المساجد ، وأنت عنها غافل ، وبالمال مشغول ، تركت الصلاة عمدًا ، وقد جاء في مسند الإمام أحمد مرفوعًا:"من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله"، تصور نفسك والناس ينتظرون دورهم ، وأنت تقاسي سكرات الموت وغصصه وعذابه وآلامه ، تصور نفسك والناس حولك مجتمعون ، ولسان حالك يقول:"رب ارجعون"، ثم يرفع عملك في ذلك الوقت وقد تركت تلك الصلاة عمدًا ، فمن ينقذك من بأس الله إن جاءك ، ومن تلوذ به من عذاب الله ، ومن الذي يعصمك من الله .:"والذي كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"، ثم بعد موتك يقتسم مالك ويتمتع به غيرك ، هذا هو المال ، وهذا هو الحال ، في هذا الزمان ، مع آلات الصرف الآلي ، وحبذا لو أقفلت وقت الصلاة لكن خيرًا وأعظم أجرًا .

أما البخيل: فالبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ، ويفوته الغنى الذي يطلبه ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويحاسب يوم القيامة حساب الأغنياء ، فالبخيل هو الوحيد الذي يفرح أهله بموته ، ويستبشر ورثته بمرضه وفقده ، تجده مستغرقًا في جمع المال بالليل والنهار لا يتعب ولا يفتر ، ولا يكل ولا يمل خوفا من الفقر مع أن البخل هو الفقر بعينه ، ولقد حذر الله تعالى من عاقبة البخل السيئة فقال تعالى:"ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شرٌ لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" [ آل عمران ] ، فتجد البخيل يبخل بالمال حتى على نفسه وذلك خوفًا من أن يقل المال أو يفنى ، والواقع شاهد على صدق ذلك ، فمعظم الناس إذا رأيته قد تمد يدك إلى جيبك كي تتصدق عليه ، وهو يملك أموالًا وعقارًا لا تملكه أنت ولا غيرك ، ولكن هيئته ولبسه ، يدل على أنه ما شكر نعمة الله عليه ، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، فأين أثر النعمة على العبد وهو يبخل حتى على نفسه ، إن الله جميل يحب الجمال ، وتجده أيضًا يبخل على أولاده ويقتر عليهم فلا يعطيهم ما يكفيهم وذلك حبًا في جمع المال . قال صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته" [ مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"مامن يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الأخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" [ متفق عليه ] .

وقال صلى الله عليه وسلم:"دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ( أي عتق رقبة ) ، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك" [ مسلم ] .

فويل لمن عاش في هذه الدنيا مغرورًا وظن أن السعادة كلها جمع الأموال وتكديسها عنده آلافًا وملايين وعمائر وأراضٍ وبيوت وعقارات ، فهذا هو الخاسر ، لقد أنسى الناس حُب المال عن الدين والشرف وجعلهم يتنافسون حطام هذه الدنيا . وما علم أصحاب الأموال أن المال إذا تجاوز خدمة الدين وابتعد عنه فسيكون وبالًا ونكبة على أصحابه ، يقول داود عليه السلام:"اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ، ومن مال يكون علي عذابًا"، ولما سئل عيسى عليه السلام عن المال قال:"لا خير فيه ، قيل: ولم يا نبي الله ، قال: لأنه يُجمع من غير حِل ، قيل: فإن جُمع من حِل ، قال: لا يُؤدي حقه ، قيل: فإن أدى حقه قال: لا يسلم صاحبه من الكبر والخُيلاء ، قيل: فإن سلِم ، قال: يُشغله عن ذكر الله ، قيل: فإن لم يُشغله ، قال: يُطيل عليه الحساب يوم القيامة"، فتأملوا هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا ، وذلك لأن الأغنياء يُحاسبون على أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها ، فاستعدوا يا أصحاب الأموال ، استعدوا يا من بخلتم بأموالكم ، وأعدوا لكل سؤال جوابًا ، ولا تنسوا أن يكون الجواب صوابًا . قال تعالى:"يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم" [ الشعراء ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت