القضية الثالثة: إن في هذا الحدث عبرةً وعظةً تستوجب الخروج من المظالم ، والتوبة من المآثم .. فكم ماطل أقوام بحقوق غيرهم ؟ ... بل وتحايلوا على أموال الناس أو أسمائهم رغبة في الثراء السريع والتجارة العاجلة ، فمنعوا حقوقًا لأصحابها طمعًا في المال وربما كتموا عنهم مقدار الأرباح واستأثروا بها عنهم مستغلين جهلم بحقيقة الاكتتاب وحركة الأسهم... وكم ولغ الناس في الأسهم المحرمة الربوية منها أو المختلطة ، وتساهلوا في ذلك ولم يبالوا بأي تحذير أو توجيه ... أليس الربا شؤم وبلاء مؤذن بالحرب من رب الأرض والسماء قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة: 279) .
أليس الربا يمحق الخيرات والبركات: قال تعالى: (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) ( البقرة: 276) .
ولذلك إشتد خوف السلف من الحرام وحذروا منه أشد التحذير، إمتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ) ) [7] .
وقال ابن مسعود لا يكتسب عبد مالًا حرامًا فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن ولكن يمحو السيء بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"."
وكانت المرأة توصي زوجها عندما يخرج للعمل وطلب الرزق فتقول له"يا هذا اتق الله فينا: إنا لنصبر على الجوع ولا نصبر على النار".
وللذنوب -عباد الله-: عقوبات وبليات وأزمات ونكبات وقد تساهل الناس بالربا والمشتبهات إلى حد كبير نسأل الله السلامة والعافية حيث تطلّب بعض الناس المال والتجارة من أي طريق قال صلى الله عليه وسلم: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ المال أمن حلال أم من حرام ) ) [8] .
وكم من قضايا ومخالفات شرعية حصلت في زحمة انشغال الناس في أسواق الأسهم ،
فمنها: ترك الصلاة بالكلية، أو تأخيرها عن وقتها في صالات الأسهم وأمام الشاشات .
وكم من قضايا الكذب والتزوير والإشاعات والتوصيات الكاذبة ... أليست كلها ذنوب ومعاصي وبعضها موبقات وكبائر ؟ ! .
عباد الله: والمخيف في الأمر أن العقوبة إذا حلّت ونزلت شملت الجميع إلا من رحم ربك قال تعالى: (( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (الأنفال: 25) .
وفي البخاري باب إذا أنزل الله بقوم عذابا بعثوا على أعمالهم قال ابن حجر رحمه الله وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن ؟! فكيف بمن رضي ؟! فكيف بمن عاون ؟! نسأل الله السلامة [9]
ويقول ابن القيم رحمه الله عن الذنوب وآثارها ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم ، ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد أن سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال عنهم من نعم وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب كما قيل
إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم [10]
وقال أيضًا وكأنه يشاهد حال الناس اليوم:"ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل"
الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا أُستجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ماعند الله لا ينال إلا بطاعته، وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببًا وآفةً تبطله، فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها .
ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله [11]
القضية الرابعة: إن جمع الأموال في مجال واحد وموضع واحد إضافة إلى كونه عرضة للزوال والخسارة في أي لحظة ، ففيه أيضًا تعطيل لمصالح وتجارات وصناعات أخرى
كم تركها الناس وصفّوا أموالهم وباعوا منازلهم وحاجياتهم بل واقترضوا لمدد طويلة وهكذا جمعوا مدخراتهم ليركموها جميعا في سوق الأسهم ؟ فكان ماكان والله المستعان.
ولعل في هذه الحادثة دعوة إلى التعقل والتوازن وتنويع التجارة والاستثمار لئلا تتعطل مصالح المسلمين أو تذهب أموالهم هدرًا وهباءً في يوم وليلة
القضية الخامسة: وليس وقود هذه الأسهم هم الأثرياء وحدهم والراغبون في أكل أموال الناس من أي طريق بل اصطلى بنارها ضعفاء ونساء ودخلت فيها أموال مساكين ويتامى وأرامل وأيامى طلبًا للرزق الحلال وتغطية للتكاليف الأسرية، وسدادا لديون سابقة ... ومن هنا وجب على المسئولين وفقهم الله وصنَّاع القرار وأهل الحل والعقد أن ينظروا في هذه القضية ويحفظوا أموال المسلمين ولا يدعوها تنزف يوميًا وتذوب كما يذوب الجليد، على مرأى ومسمع من الجميع وعهدُنا بالمسئولين وولاة الأمر اهتمامهم بأمور الرعية وأحوالها في قضايا كثيرة ليست هذه بأقل منها بل حقيقة هي أشد ووقعها أنكى حيث إن الإحصائيات تقول: إن ما يزيد على أربعة ملايين فرد قد دخلوا في سوق الأسهم .
وقلما تجد بيتًا إلا وله نصيب منها بقليل أو كثير .
وإذا كان يقال"إن النظام لا يحمى المغفلين"فكيف يترك للمتلاعبين خلال فترات ماضية مزيدًا من النجش وبثّ الإطمئنان وتصدير التوصيات الكاذبة وإغراء المجتمع بقوة السوق ومتانته من خلال وسائل الإعلام وتسابق المحللين الفنيين في الإذاعات والقنوات لبث الثقة والطمأنينة ، ودراسة المؤشرات وتبادل التوصيات ورفع معدلات المضاربة في شركات لا تستحق عشر قيمتها الحالية .
ثم بين غمضة عين وانتباهتها يحصل هذا الانهيار ويخرج كبار المضاربين من السوق وتختفي السيولة مباشرة ويتضاعف العرض ولا يقابله طلبات شراء بلا مسوغات اقتصادية أو أسباب أمنية أو اجتماعية بل على العكس، الأوضاع الاقتصادية والأمنية بحمد الله على أحسن حال ... ثم لم نرى أولئك بعد ... بل تواروا عن الأنظار وتلاشت تلك التوصيات والتحليلات و في بعضهم شبه بمن قال الله عنه: (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (إبراهيم: 22) .
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه إلى يوم الدين:
القضية السادسة: إن الخسارة في المال مهما كانت فلن تعادل خسارة الدين والأخلاق وخسارة الأنفس والأرواح .
فالمال كالريش ينبت ثم يزول ثم ينبت وهكذا ..
وقد قيل: أحتال للمال إن ضاع فاجمعه
ولست للدين إن ضاع بمحتال