فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 1226

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى واعلموا أنه لا تخفى عليه خافية من أمر عباده (( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ) (الشعراء 219) .

يبتلي عباده بالسراء والضراء والنعمة والبأساء والصحة والمرض والغنى والفقر (( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) (الأنبياء: 35) .

أيها المسلمون: لقد جاءت هذه الشريعة الغراء بكل الخيرات والكمالات ، وحرمت جميع الأضرار والمفسدات ؛ فأباحت للناس الطيبات وحرمت عليهم الخبائث وشرعت لهم طرائق يطلبون بها المال الحلال والرزق المبارك فأباحت معاملات البيوع والشراء والإجارة والشركة وأنواع الحوالات والضمانات وغيرها من المعاملات وفق ضوابطٍ شرعية وآدابٍ مرعية .

وإذا كان لكل أمة فتنة فما هي فتنة هذه الأمة ؟ ، يجيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال ) ) [1] .

وقد جدّت في عالم اليوم طرائق كثيرة لكسب المال وتحقيق الثراء السريع . من أشهرها كما يعلم الجميع هي: وسيلة الإتجار في سوق الأسهم المالية العالمية منها والمحلية .

وأصلها كما هو معروف أسلوب غربي رأسمالي أخذه المسلمون عن الدول الغربية التي يحكم أسواقها القانون المدني، وقد قامت هيئات شرعية في عدد من البنوك في البلاد الإسلامية بضبطه وتعديله ليتوافق مع الأحكام الشرعية وحصل بذلك خير كثير ولكن بقي فيه فجوات كبرى طالما حذر منها الناصحون والغيورون .

مثل آليات البيع والشراء وحركات المضاربة العشوائية والتضخم اللامنطقي، والكذب والتغرير،والنجش في بعض أوامر الشراء، والنجش المضاد ونحو ذلك مما شاب أسواق الأسهم وأفسدها....

وكانت تلك الشركات منها ما هي محرمة بلاخلاف كالشركات الربوية أو التي أصل نشاطها محرم، ومنها شركات مختلطة أصل نشاطها مباح ولكنها تُقرض أو تقترض بالربا وقد أباحها بعض أهل العلم بضوابط معينة، والصحيح أنها محرمة لا يجوز الدخول فيها على الراجح من أقوال جماهير العلماء المعاصرين والمجامع واللجان الفقهية والشرعية والقسم الثالث شركات مباحة يجوز المساهمة فيها وهي معروفة عند أهل هذا الشأن ، وهي التي أصل نشاطها مباح وسلمت من القروض الربوية .

أيها المسلمون: وفي هذه الأيام بدأت أسواق الأسهم بالنزول والانحدار حيث المؤشرات تنزف نسبًا يومية في أكثر دول الخليج وبعض الدول العربية ... وذهل الناس واندهشوا وأصيبوا بحالة من الوجوم والاستغراب في بداية الأمر ثم بدأ مسلسل الخسائر والمصائب وحلَّت بالمساهمين خسائر فادحة، وجوائح فاجعة، فترى بعض القوم لأجلها صرعى يتجرعون منها غصص البلوى ويرفعون بسببها الشكوى فكم ترى من مهموم مغموم مثقل بالديون وتسمع عن آخرين ارتفع عندهم ضغط الدم أو السكري أو كليهما فأدخلوا المستشفيات والمصحات وسمع الناس عن حالة وفيات، ومنهم من أصيب بانهيار عصبي؛ لأجل فقده جميع ما يملك ، وتصفية جميع محفظته التي كان قد اقترض نصف رأس المال فيها من أحد البنوك فاستوفى البنك مستحقاته وبقيت الخسارة يتجرعها هذا المسكين لوحده إلى غير ذلك من مسلسل المصائب والنكبات التي أفرزتها هذه الأزمة وهذا الانهيار السريع .

ولا ينكر أحد أن المال محبب إلى النفوس فطرة فهو عصب الحياة وشقيق الروح وبقدر ما يتمنى المرء الحياة والبقاء فهو يتمنى المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر ) ) [2] .

من حديث أنس بن مالك وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا وطول الأمل ) ).

وفي هذه المصيبة المالية والنقيصة الدنيوية نذكر أنفسنا والمسلمين بعدة قضايا علها أن تساهم في التعزية والتسلية للخاسرين من جهة ، ومن جهة أخرى علها أن تساهم في تصحيح المسار وضبط الإستثمار لعموم المستثمرين والمساهمين .

القضية الأولى: يا كل مصاب بخسارة في هذه الأسهم ، اعلم أن الله ابتلاك في المنع كما ابتلاك في العطاء قال تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) ) (آل عمران: 186) .

وقال سبحانه: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ) (البقرة: 155) .

القضية الثانية: إن هذه الحادثة مورد من موارد الصبر وهو فريضة الوقت في هذه المصيبة ، فتذكر- أخي المسلم - أن الصبر على أقدار الله المؤلمة أحد أصول الإيمان قال صلى الله عليه وسلم"واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك"أخرجه أبو داود بسند صحيح .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) ) [3] .

والصبر عباد الله من جميل الخلال، و محمود الخصال ، فلا تتسخط على أقدار الله ولا تقع في سب الدهور والأزمان ولاتلطم وجها أو تشق جيبا، واحذر أن تفتح على نفسك باب الشيطان الكبير وهو كلمة"لو"؛ فتقول لو أني ما فعلت ، لو أني ما ساهمت ... إنه أمر قضي وانتهى قال صلى الله عليه وسلم: (( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ) [4] .

والمؤمن يصبر اختيارًا ، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم .

يقول عمر رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر .

ويقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الصبر مطية لا تكبو [5]

يجرى القضاء وفيه الخير نافلة *** لمؤمن واثق بالله لا لاهي

إن جاءه فرح أو نابه ترح *** في الحالتين يقول الحمد لله

وقال الحسن -رحمه الله-"والعبد كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبدٍ كريم عنده"وصدق من قال:

والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقه *** لكن عواقبه أحلى من العسلِ

وإذا صبر المؤمن زاد إيمانه ،وتطلع بعده إلى الرضا ،وهو أعلى درجة من الصبر التي يحفظه الله بها عن ما هو أشد منها .

يقول ابن القيم -رحمه الله- الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين ... ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمنًا وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ، ومن فاته حظه من الرضا إمتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه [6]

إذا اشتدت البلوى تخفّفْ بالرضا عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب

وكم نعمة مقرونة ببلية *** على الناس تخفى والبلايا مواهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت