فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 1226

وإن مما تأسف له النفوس أن ثلة من الناس لا يهتم بأحكام الإسلام وإنما يهتم بما يدر عليه المال من أي طريق كان، وما ذاك إلاّ لضعف الإيمان وقلة الخوف من الله - تعالى -، وغلبة حب الدنيا على القلوب، نسأل الله السلامة. هذا هو الواقع المؤلم الذي آلت إليه مجتمعات الإسلام ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. فهذه الهزائم والخسائر، وهذه البراكين والزلازل، وهذا الهرج والمرج، وكثرة الحوادث والمرض، كل ذلك بما كسبت أيدي الناس من تعاطٍ للربا وغيره. قال - عليه الصلاة والسلام:"إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد) . وقال - تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي علموا لعلّهم يرجعون"وقال - تعالى:"وما نرسل بالآيات إلا تخويفا".

وقال - تعالى:"وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبنها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله لهم عذابًا شديدًا فاتقوا يا أولى الألباب"، وقال ابن القيم - رحمه الله -"إذا ظهر الزنا والربا في قرية أُذن بهلاكها"فبدأت المحن تتوالى والمصائب تتابع من جرّاء التعامل بالربا.

قال ابن عباس - رضي الله عنهما:"من كان مقيمًا على الربا لا ينزع منه فحُق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلاّ ضرب عنقه"وصدق - رضي الله عنه -، فالربا على شاكلة الزنا، فمن هو الذي يستطيع أن يزني أمام الناس جهرة وعلانية، ومن هو الذي يقر على نفسه بالزنا ثمّ لا يرجم ولا يجلد، فالربا كذلك من أعلن التعامل به أو علم عنه ذلك، فحقٌ على المسلمين هجره تأديبًا وزجرًا، وواجب على وليّ الأمر تأديبه وتعزيره عنوة وقهرًا، حتى يعود إلى صوابه ويراجع دينه ويتوب إلى ربه ويعود عن غيّه وزيغه.

أيها المرابي.. يا من تتعامل بالربا: اتق الله، واجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، واحذر من مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون، استعمل عقلك وحكم دينك وشرع نبيك، الذي قال:"إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي، انطلق، وإني انطلقت معهما،.. فانطلقنا فأتينا على نهر قال أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرًا فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلمّا رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، إلى أن قال: فإني رأيت الليلة عجبًا؟ فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أما إنا سنخبرك. أماّ الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا" (رواه البخاري) .

وهذا عذاب أهل الربا في القبور إلى يوم البعث والنشور وذلك تنكيلًا لهم ومدًّا للعذاب، لاعتراضهم على الله في حكمه، فالله يقول:"وأحلّ الله البيع وحرّم الربا"، وهم يقولون: البيع مثل الربا، فاعترضوا على الله في حكمه ورفضوا شرعه، مع علمهم بتفريق الله بين البيع والربا، وهو - سبحانه - العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده وما يضرهم. ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام:"وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربًا أضع ربا العباس".

عباد الله: للربا صور عديدة،، وأشكالاٍ كثيرة، حري بكل مؤمن أن يسعى جاهدًا لمعرفتها، وكشف حقيقتها حتى لا يقع في هذا الجرم العظيم، والخطر الجسيم، فمن صور الربا المتداولة بين الناس اليوم، وحسبنا الله ونعم الوكيل:

فمن صور الربا: أن يشتري الرجل سلعة بثمن مؤجل من شخص أو بنك أو معرض، ثم يبيعها عليه بثمن حال أقل من ثمنها المؤجل قبل أن يسدد قيمتها كاملة، فهذه حيلة على الربا، يتحايلون على الله كما يتحايلون على الصبيان (وهذا يسمّى بيع العينة) . قال - عليه الصلاة والسلام:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (رواه أبو داود وهو حديث صحيح بمجموع طرقه السلسة الصحيحة) .

ولماّ سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن مثل هذه المعاملة قال: هذا حرام، حرمه الله ورسوله. بل أخبرت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - من فعل ذلك من الصحابة جاهلًا بأنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب.

ومن صور الربا: أن يستدين مبلغًا من المال على أن يعيده بزيادة، سواءً كان المتعامل معه شخصًا أو شركة أو بنكًا أو غيرها، فتلك المعاملة ربًا، والربا حرام.

ومن صور الربا: أن يستبدل ذهبًا قديمًا بذهب جديد ويدفع الفرق بينهما وهذا عين الربا، والمعاملة الصحيحة في ذلك: أن يبيع ذهبه القديم ويقبض ثمنه، ثم يشتري ذهبًا جديدًا بثمن القديم ولو زاد نقودًا من عنده بعد ذلك.

ومن صور الربا: أن يشتري ذهبًا حالًا بثمن مؤجل، فهذا ربا محرم التعامل به، ولا تجوز المحاباة فيه لا لقريب ولا لصديق، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كان أقرب قريب.

ومن صور الربا: قلب الدين على المعسر، وهذا هو ربا الجاهلية وذلك أنه إذا حل الدين ولم يكن عنده سداد، زيد عليه الدين بكميّات ونسب معينة حسب التأخير وهو حرام بإجماع المسلمين.

ومن صور الربا: القرض بفائدة: وصورته أن يقرضه شيئًا، بشرط أن يوفيه أكثر منه، أو يدفع إليه مبلغًا من المال على أن يوفيه أكثر منه بنسب معينة، وهو ربا صريح، أو يقرضه مالًا على أن يعيده وشيئًا معه سواء من المال أو من غيره من الأواني وغيرها.

ومن صور الربا: الإيداع في البنوك بفائدة: وهو ما يسمّى بالودائع الثابتة إلى أجل، فيتصرف البنك في هذه الودائع إلى تمام الأجل، ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معينة في المئة، وهذا ربا لا شك فيه، ولا ريب فيه.

عباد الله: يا من ترجون رحمة الله وتخافون عذابه: احذروا من دخول الربا في معاملاتكم، واختلاطه بأموالكم، فإن أكل الربا وتعاطيه من أكبر الكبائر وأخبث الخبائث وفيه الإذن من الله لمتعاطيه بالفقر والأمراض المستعصية وظلم السلطان، فالربا يهلك الأموال ويمحق البركات فكم تسمعون من تلفِ الأموال العظيمة بالحريق والغرق والفيضان فيصبح أهلها فقراء بين الناس، وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها فهي ممحوقة البركة، لا ينتفعون منها بشيء، إنما يقاسون أتعابها، ويتحملون حسابها ويصلون عذابها، فالمرابي مبغوض عند الله وعند خلقه، لأنه يأخذ ولا يعطي، ويجمع ويمنع، ولا ينفق ولا يتصدق، شحيح جشع، جموع منوع، تنفر منه القلوب، وينبذه المجتمع، وهذه عقوبة عاجلة، وعقوبته الآجلة أشد وأبقى وما ذاك إلاّ لأن الربا مكسب خبيث، وسحت ضار، وكابوس ثقيل على المجتمعات البشرية، فيجب على المسلم الابتعاد عنه، والتحرز منه، لكثرة الوقوع فيه في هذا الزمان، لماّ طغت المادة، وضعف المسلمون، وفشا الجهل بأحكام الدين، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره" (رواه أحمد وأبو داود)

فمن تأمل حال الناس اليوم أدرك مصداق هذا الحديث الشريف وذلك أنه لماّ فاضت الأموال وتضخمت في أيدي فئام من الناس وضعوها في البنوك الربوية فأصابهم من الربا ما أصابهم، فمنهم من أكله ومنهم من لم يأكله لكن أعان على أكله فأصابه من غباره والله على ما يفعلون شهيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت