فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 1226

أيها المؤمنون عباد الله: عندما تنقلب الموازين، وتنتكس الفطر، وتتحطم القيم، ويقع الإنسان في أوحال الذنب والكبيرة، ويغوص في أعماق المعصية والرذيلة، ويتلطخ بأوصاف قذرة قبيحة، عند ذلك يصبح الإنسان في مصاف البهائم، وتلحقه لومة اللائم، ولكن العجيب والعجائب جمة قصة ذلك الساذج البسيط، الذي فقد عقله، وأسلمه لعدوه، الشيطان وأعوانه، فنأى بنفسه بعيدًا عن التوحيد، ورمى بها في مستنقعات الجهل وحب المال الحرام، فلقد جاء شاب من أهل الغفلة والضياع، إلى المسؤول يطلب منه استقطاعًا من راتبه لعملية ربوية محرمة مع أحد البنوك الربوية، وعندما وجه إليه النصح والإرشاد، والتخويف من أجل الترك والابتعاد، مسنودًا بقول أفضل العباد - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: (الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) ، فبدل أن يقوم بشكر ذلك الناصح الأمين، وحاملًا له هم الأخوة في الدين، بل رد قائلًا: اعتبرني ناكحًا للأسرة كلها، إنه والله الخسران المبين، والران الذي غطى القلوب، وأعمى الأبصار، إن الزنا مع الغريبة عظيم، فكيف بذات الرحم؟ لقد انساق وراء الأوهام، واستسلم للأباطيل وتفاهة الأحلام، فهو كالفراش يتهافت على النار، إنه أمر مذهل، وجواب مخجل، إن من الحيوان الذي لا يفكر، ولا يمكن أن يقدر، من لا يمكن أن يقع على أمه، فذكر الدميري في حياة الحيوان الكبرى وفي طيات كلامه عن الجمل، فقال: لا يمكن للجمل أن ينزو على أمه، فكان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب ثم أرسل ولدها عليها فلما عرف أنها أمه قتل نفسه، فسبحان الله العظيم، جمل أعقل من رجل، وحيوان أفهم من إنسان، فهذا إنسان لا يبالي بأن ينكح أسرته من أجل حفنة من مال حرام، وذاك حيوان يقتل نفسه لأنه وقع على أمه، فشتان ما بين الإثنين، فاحذروا عباد الله من عاقبة الربا وأكله، فهو الطريق إلى النار، وبئس القرار.

معاشر المسلمين: إن الربا وإن كثر فهو إلى قِلّ وأن بركته ممحوقة يقول الله - تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) . وقال - صلى الله عليه وسلم: [الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل] (رواه الحاكم وهو في صحيح الجامع) ، فآكل الربا كافر كفر نعمة، وإن استحله فهو كافر خارج من الدين ومارق منه، يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدًا والعياذ بالله، فخير الله إليه نازل وشره إلى الله صاعد قال - تعالى: {أفبنعمة الله يجحدون} وقال - تعالى: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} فآكل الربا لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، بل يسعى في أكل الأموال بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، وأنواع العقود الخسيسة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل الحرام، ولذلك وصفه الله - عز وجل - بأنه كفار أثيم، وكفران النعمة سبب لتغير الحال وكثرة المرض والجنون والموت وسبب لزعزعة الأمن وعدم الاستقرار قال - تعالى: {وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} .

أيها المؤمنون: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام كما ورد ذلك في الحديث وذلك لأن الأغنياء يحاسبون على أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها وهذا في المال الحلال فما ظنك بذي المال الحرام. ولما سئل عيسى - عليه السلام - عن المال قال: [لا خير فيه، قيل: ولم يا نبي الله، قال: لأنه يُجمع من غير حِل، قيل: فإن جُمع من حِل، قال: لا يُؤدي حقه، قيل: فإن أدى حقه قال: لا يسلم صاحبه من الكبر والخُيلاء، قيل: فإن سلِم، قال: يُشغله عن ذكر الله، قيل: فإن لم يُشغله، قال: يُطيل عليه الحساب يوم القيامة] ، فتأملوا رحمكم الله هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا.

فو الله إن ذلك هو المحق والنقصان، والذل والهوان، والمبين من الخسران.

فمن أستحل الربا وأصر على أكله وتعاطيه واستمر على ذلك أدى به إلى الكفر وسوء الخاتمه والعياذ بالله، ففي التعامل بالربا مخالفة لأمر الله - تعالى -وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - قال - تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم} .

وفيه معصية لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وتعد لحدود الله- تبارك وتعالى -وارتكاب لمحارمه وقد قال الله - تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتق حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين} .

فتأمل أيها المسلم ما ذكره الله - عز وجل - في الآيات من وعيد لآكل الربا وعظيم ما يترتب على فعل ذلك المنكر العظيم من العقوبات والدخول في النيران فيا من تتعامل بالربا تب إلى المولى - جل وعلا - قبل أن يحل بساحتك هادم اللذات ومفرق الجماعات ثم تقول: {يا ليتني لم أوت كتابيه ? يا ليتها كانت القاضية ما أغني عني ماليه ? هلك عني سلطانية} فيقال لك: {خذوه فغلوه ? ثم الجحيم صلوه ? ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فأسلكوه} .

فاحذر من عاقبة التعامل بالربا وأقبل على الله بتوبة نصوح تجب ما قبلها من الذنوب والعصيان.

أيها المسلمون: لا بد لكل عاقل فطن، أن يعرف أن التعامل بالربا دسيسة ومكيدة من دسائس أعداء الله اليهود ـ قاتلهم الله ـ ومكيدة من مكائدهم العظيمة ـ لا كثرهم الله ـ ليبعدوا الناس عن دينهم، فقد باءوا بالغضب واللعن من الله - تعالى -لأكلهم الربا، واستحقوا الخزي والندامة، ومسخوا خنازير وقردة، يقول الله - تعالى:

إن العالم بأسره يئن من وطأة اليهودية الحاقدة، ويدعوا باللعنة والمقت لأهلها والقائمين عليها.

عباد الله: لقد كثرت الدعايات للمساهمة في البنوك الربوية في الصحف وغيرها، وإغراء الناس بإيداع أموالهم مقابل فوائد ربوية صريحة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن تلك الفوائد حرام سحت وهي عين الربا الذي جاء تحريمه في الكتابين.

ومن كبائر الذنوب، فالربا يفسد المال على صاحبه، ويمحق بركته، ويسبب عدم قبول العمل الصالح.

وليعلم كل مسلم إنه مسؤول أمام ربه عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" (رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح) .

والأدلة على تحريمه كثيرة، قال - تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تعلمون"، وقال - تعالى -"وما أتيتم من ربًا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله".

وقال - صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" (رواه مسلم) .

فهذه الأدلة وغيرها تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت