فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 1226

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ لُزُومِهِ مَعَ حَلِفِهِ بِاَللَّهِ مَا عِنْدَهُ قَضَاءٌ .

وَحَدَّثَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: { جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ تَمْرًا كَانَ عَلَيْهِ ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى قَالَ لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْك إلَّا قَضَيْتنِي فَانْتَهَرَهُ الصَّحَابَةُ ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَك أَتَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إنِّي طَالِبُ حَقٍّ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إنْ كَانَ عِنْدَك تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرٌ فَنَقْضِيَك فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْرَضَتْهُ ، فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ فَقَالَ: أَوْفَيْتنَا أَوْفَى اللَّهُ لَك فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ ، إنَّهَا لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ مِنْهَا حَقُّهُ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ } .

فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقْضِيَهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ مُطَالَبَتَهُ وَاقْتِضَاءَهُ بِذَلِكَ ، بَلْ أَنْكَرَ عَلَى الصَّحَابَةِ انْتِهَارَهُمْ إيَّاهُ وَقَالَ: ( هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ ) .

وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُنْظَرًا بِنَفْسِ الْإِعْسَارِ دُونَ أَنْ يُنْظِرَهُ الطَّالِبُ .

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمُؤَدِّبُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: { مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ صَدَقَةٌ ، وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُك تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ صَدَقَةٌ ثُمَّ سَمِعْتُك تَقُولُ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ ؟ قَالَ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَلَهُ صَدَقَةٌ ، وَمَنْ أَنْظَرَهُ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ } .

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بْنُ حُجْنَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عِبَادَةَ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْيُسْرِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } .

فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ ) يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُنْظَرًا بِنَفْسِ الْإِعْسَارِ دُونَ إنْظَارِ الطَّالِبِ إيَّاهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْظَرًا بِغَيْرِ إنْظَارِهِ لَمَا صَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ إلَّا عَلَى فِعْلِهِ ، فَأَمَّا مَنْ قَدْ صَارَ مُنْظَرًا بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ بِالْإِنْظَارِ .

وَحَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ بِإِنْظَارِهِ ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْإِنْظَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحَطِّ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَطَّ لَا يَقَعُ إلَّا بِفِعْلِهِ ، فَكَذَلِكَ الْإِنْظَارُ .

وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: { فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } يَنْصَرِفُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الْإِنْظَارِ هُوَ تَخْلِيَتُهُ مِنْ الْحَبْسِ وَتَرْكُ عُقُوبَتِهِ ؛ إذْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمًا ؛ فَإِذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ فَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِإِنْظَارِهِ مِنْ الْحَبْسِ ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ لُزُومِهِ .

أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّدْبَ وَالْإِرْشَادَ إلَى إنْظَارِهِ بِتَرْكِ لُزُومِهِ وَمُطَالَبَتِهِ ، فَلَا يَكُونُ مُنْظَرًا إلَّا بِنَظِرَةِ الطَّالِبِ ، بِدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: اللُّزُومُ بِمَنْزِلَةِ الْحَبْسِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ .

قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ لَا يَمْنَعُهُ التَّصَرُّفَ ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ قِبَلِ الطَّالِبِ مَنْ يُرَاعِي أَمْرَهُ فِي كَسْبِهِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ ، فَيَتْرُكُ لَهُ مِقْدَارَ الْقُوتِ وَيَأْخُذُ الْبَاقِي قَضَاءً مِنْ دَيْنِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إيجَابُ حَبْسٍ وَلَا عُقُوبَةٍ .

وَرَوَى مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ: مَا عَمِلْت ؟ قَالَ: مَا عَمِلْت لَك كَثِيرَ عَمَلٍ أَرْجُوَك بِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ ، غَيْرَ أَنَّك كُنْت أَعْطَيْتنِي فَضْلًا مِنْ مَالٍ فَكُنْت أُخَالِطُ النَّاسَ فَأُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ .

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْك ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي فَغَفَرَ لَهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ أَنَّ الْإِنْظَارَ لَا يَقَعُ بِنَفْسِ الْإِعْسَارِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُوسِرِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ غَيْرُ وَاجِبٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت