فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 1226

فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } وَاحْتِجَاجُ شُرَيْحٍ بِهِ فِي حَبْسِ الْمَطْلُوبِ ، فَإِنَّ الْآيَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ ، وَأَمَّا الدُّيُونُ الْمَضْمُونَةُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنَّمَا الْمُطَالَبَةُ بِهَا مُعَلَّقَةٌ بِإِمْكَانِ أَدَائِهَا ، فَمَنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ إلَّا مَا فِي إمْكَانِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لِأَدَائِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْبَسَ بِهَا .

فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الدَّيْنَ مِنْ الْأَمَانَاتِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الدَّيْنَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } قِيلَ لَهُ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُرَادًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } فَإِنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ تَوَجَّهَ إلَيْهِ عَلَى شَرِيطَةِ الْإِمْكَانِ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ ، وَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ مِنْ ظَاهِرِ إعْسَارِهِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى أَدَائِهِ .

وَلَمْ يَكُنْ شُرَيْحٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، بَلْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ ؛ وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ وُجُودَ ذَلِكَ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ مَعَ ظُهُورِ إعْسَارِهِ ، فَلِذَلِكَ حَبَسَهُ .

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحَاكِمِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ إعْسَارُهُ وَأَطْلَقَهُ مِنْ الْحَبْسِ ، هَلْ يَحُولُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَبَيْنَ لُزُومِهِ ؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: ( لِلطَّالِبِ أَنْ يُلْزِمَهُ ) .

وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: ( وَالْمَلْزُومُ فِي الدَّيْنِ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ مَنْزِلِهِ لِلْغِذَاءِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْغِذَاءَ وَمَوْضِعَ الْخَلَاءِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ إتْيَانِ مَنْزِلِهِ ) .

وَقَالَ غَيْرُهُمْ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: ( لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ ) .

وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ( يُؤَاجِرُ الْحُرُّ الْمُعْسِرَ فَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ أُجْرَتِهِ ) ؛ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ إلَّا الزُّهْرِيُّ ، فَإِنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: ( يُؤَاجَرُ الْمُعْسِرُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ) .

وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ظُهُورَ الْإِعْسَارِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ اللُّزُومَ وَالْمُطَالَبَةَ وَالِاقْتِضَاءَ ، حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ أَعْرَابِيٍّ بَعِيرًا إلَى أَجَلٍ ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ جَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ ، فَقَالَ: جِئْتنَا وَمَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، وَلَكِنْ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَ الصَّدَقَةُ فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: وَاغَدْرَاه فَهَمَّ بِهِ عُمَرُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا } فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ الِاقْتِضَاءَ ، وَقَالَ ( إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِعْسَارَ بِالدَّيْنِ غَيْرُ مَانِعٍ اقْتِضَاءَهُ وَلُزُومَهُ بِهِ .

وَقَوْلُهُ ( أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَ الصَّدَقَةُ ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ إنَّمَا اشْتَرَى الْبَعِيرَ لِلصَّدَقَةِ لَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِيَقْضِيَهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَنُ مَا اشْتَرَى ، وَأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ دُونَ الْمُشْتَرَى لَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْهُ اقْتِضَاءَهُ وَمُطَالَبَتَهُ بِهِ .

وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ: أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا ثُمَّ قَضَاهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ } ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ كَانَ دَيْنًا عَلَى مَالِ الصَّدَقَةِ .

وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ } رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ: { فِي الْيَدِ اللُّزُومُ وَفِي اللِّسَانِ الِاقْتِضَاءُ } .

وَحَدَّثَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: { أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، فَقَالَ لَهُ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَقْضِيكَهُ الْيَوْمَ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ يَتَحَمَّلُ عَنْك قَالَ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي قَضَاءٌ وَلَا أَجِدُ مَنْ يَحْتَمِلُ عَنِّي قَالَ: فَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا لَزِمَنِي فَاسْتَنْظَرْته شَهْرًا وَاحِدًا فَأَبَى حَتَّى أَقْضِيَهُ أَوْ آتِيَهُ بِحَمِيلٍ ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ مَا أَجِدُ حَمِيلًا وَلَا عِنْدِي قَضَاءٌ الْيَوْمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تُنْظِرُهُ شَهْرًا وَاحِدًا ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَنَا أَحْمِلُ بِهَا فَتَحَمَّلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ أَصَبْت هَذَا الذَّهَبَ ؟ قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ ، قَالَ: اذْهَبْ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ فَقَضَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت