فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 1226

إسرائيل تعتبر أمنها في سلم أولوياتها وصلب اهتماماتها ،ولا تخطو أي خطوة تشك ولو لحظة أنها قد تضر بأمنها يوما ما،وحين أذكر إسرائيل تحديدا فلأننا نتفق أنها فسيفساء اجتماعي،ولكن هذا الفسيفساء بيمينه ويساره ووسطه يتوحد ويتفق ضد كل من يمس بأمنه،أما الولايات المتحدة فهي بتشكيلتها الفسيفسائية المعروفة دائما ما تفرز ساسة وخبراء يسعون للحفاظ على تفوق كيانهم وإبقائه على رأس الأمم في الأرض،ثم نأتي ونتشدق بأن مجتمعاتنا ليست فسيفساء بل هي"قطعة واحدة"،وننسى أن هذه القطعة يفتك بها الإيدز الاجتماعي وليته حولها لفسيفساء متناسقة بل تشظت وتبعثرت وتحولت إلى صورة شوهاء قبيحة!

السؤال الجاهز الآن هو كيف نشفى أو"نخترع"لقاحا مضادا للإيدز الاجتماعي؟من وجهة نظري ليس هذا المهم الآن ولكن المهم أن نقتنع أننا فعلا مصابون بهذا الداء ،بشجاعة وبلا محاولة للتبرم والهروب بتوجيه اللوم للآخرين فقط ،ثم -وهذا أهم- أن نجمِع على أن هذا الداء هو سبب نجاح أي مشروع أو خطة تستهدفنا وبنسبة كبيرة،وبأنه ما لم نبرأ منه فلا نلومن إلا أنفسنا وسنكون عرضة لأنواع أخرى من الإيدز مثل الإيدز السياسي والتربوي العلمي والثقافي والاقتصادي... ،وفي حال برأ مجتمعنا منه فكل خطط وبرامج ومشاريع ومؤامرات دهاة ودهاقنة السياسة والمال في العالم لن يكتب لها النجاح بالمفهوم الاستراتيجي،اللهم إلا برهة من الزمن على نطاق ضيق من الجغرافيا...فهل هذه القناعة متوفرة وهل ذاك الإجماع ممكن؟!

سري سمور

جنين-فلسطين

جمادى الأولى 1428هـ،حزيران 2007م

حتى لا يخرب الدفاع الاعمى عن سياسات بوش وروح الليبرالية

د. ثائر كريم

يلوث روح الليبرالية ويخربها كل من يدعي تبنيها ويدافع بنفس الوقت عن سياسات جورج بوش الابن ورؤيته للمنطقة والعالم. اجد هذا التلويث بارزًا في مقالات اللبراليين الجدد، مثل د. شاكر النابلسي.

فكيف تتواءم الليبرالية (العلمانية في صلبها) مع منطق سياسي يستند في جوهره وتطبيقاته (كما يعلن جورج بوش الابن ويبين بلا مواربة) على تصورات اصولية دينية بحتة؟ تصورات مسيحية بأفكار يهودية سلفية. هنا تكمن واحدة من المثالب الكبرى لهذه الادارة الامريكية: تطرح رؤيتها للعالم والمنطقة وسياساتها لمواجهة الاصولية والارهاب والعنف انطلاقًا من اصولية تتبنى العنف وسيلة حاسمة للتغيير.

بعد 11 ايلول بدأ بوش مسيرته"الاخلاقية"بالإفصاح عن شعار استعلائي معاد لروح الديمقراطية مفاده من ليس معنا هو ضدنا وراحت هذه الادارة الامريكية تطالب الجميع بالمساعدة غير المشروطة في حربها ضد الارهاب. وعلى الكل ان يصطف مع الادارة ومنهجها لكيفية محاربة الارهاب. وهو منهج عادة ما يبدأ بالوعيد والتهديد وينتهي بالحرب. هي رؤية لا ترى غالبًا الا الحرب اسلوبًا على الارهاب. الحرب والعنف هما الوسيلة وخصوصًا ضد العرب والمسلمين جريًا على زعم همجي، مغلوط بجوهره ان العرب والمسلمين لا يعرفون الا لغة العنف.

أية مجموعة بشرية تقبل في صلب اخلاقها ان يتعامل الاخرون معها بهكذا منطق؟ وهل يمكن للعنف حقًا ان ينهي ارهابًا تمتد جذوره عميقًا في اللاعدل والفقر والتهميش والحاجة؟ وهل تتواءم اللبرالية مع المراقبة الدقيقة التي تقوم بها المؤسسات الامنية الامريكية لانواع الكتب (غير المستحسنة) التي يقرؤها الناس؟ وما يستعيرون من كتب من المكتبات؟ وهل تتواءم مع اقامة معسكرات اعتقال ضخمة لا يعرف من ينقل اليها كيف ومتى وبأية طريقة سيحاكم؟

في الوقت الذي تغدق فيه الادارة الامريكية مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات على هذه الحروب يبقى الانسان فقيرًا. الانسان العربي والمسلم وحتى الامريكي نفسه ففي زمن بوش زاد الاغنياء من غناهم وانحدر الفقراء في هاوية اعمق من الفقر والحاجة. ويعيش ملايين الامريكيين بعيدًا عن متطلبات الحياة الكريمة وصارت الولايات المتحدة الان ابعد عن ان تكون مثلًا عاليًا يتطلع اليه الناس الحالمون ببناء مجتمعات انسانية والعاملون على تحقيق ذلك. لعل البلدان الاسكندنافية كالنرويج هي اقرب ما يكون من هذا المثال مرات كثيرة مما تفعل الولايات المتحدة.

لم يأل خيرة الكتاب والمثقفين والفنانين الأمريكيين في تبيان ان زمن النقد البناء والحوار الاجتماعي والسياسي المفصل حتى الملل المعروف في الولايات المتحدة الان مهددًا بكل معنى الكلمة فالنقد ضد الادارة وسياساتها سرعان ما يفسره المنافحون عنها الى اصطفاف مع الارهاب.

هذا النفاح هو الارهاب الفكري بذاته وهو يذكر بالدفاع الاعمى عن الاتحاد السوفياتي ( الاصطفاف مع السوفيات هو معيار الوطنية) و (من لا يقف في معسكر الاتحاد السوفياتي فهو امبريالي وليس وطنيًا) الا يذكر هذا الارهاب ايضًا بالسيف الاسرائيلي القبيح (من ينتقد دولة اسرائيل وسياسااتها العنصرية ومن يعارض احتلالاتها الاستيطانية فهو معاد للسامية والدين اليهودي) .

تتناقض سياسات بوش في جوهرها مع حق ابداء الرأي وتوسيع الحوار. الحق الذي لا تقم للديمقراطية قيامة بدونه. اريد من كل قلبي ان ارى ان امريكا تريد الديمقراطية للعراق ولكل المنطقة لكنني اعرف بكل جوارحي ان هذه الديمقراطية لا يخلقها الا ابناء البلد بأنفسهم وليكن بمساعدة الاخرين ومن بينهم الامريكان واهلًا وسهلًا بالجميع للمساعدة في هذا المضمار ولكن وفقًا لقواعد واصول وكيلًا بمكيال واحد، وانطلاقًا من مبادئ واضحة صريحة تشمل الجميع.

اتمنى ان تسهم الادارة الامريكية ببناء الديمقراطية في العراق لكنني ارى في الواقع شيئًا آخر ارى ان الامريكان لا يزالون يتخبطون خلصوا البلاد من ابشع استبداد عرفته في جل تاريخها لكنهم ادخلوها في فوضى طاحنة عرفوا كيف يزيلون طاغية لكنهم في عجلتهم لم يفكروا بعواقب فترة ما بعد الاستبداد ولم يكل ممثلوها في القول انهم اعرف من الآخرين بطريقة ترتيب البيت وكيفية العيش.

تريد هذه الادارة الامريكية الديمقراطية للعراق لكنها زادت من معاداة الايرانيين والسوريين والكثير من الخليجيين لنا في وقت نحن بأمس الحاجة فيه للاستقرار السياسي. تريد الادارة الامريكية الديمقراطية للعراق مدخلًا لتغيير خارطة المنطقة لمصلحة المساواة السياسية والعدل. ولكنها ذاتها لا تعدل في القضية الفلسطينية لننتقد بكل قسوة كل القادة الفلسطينيين لنزد من نقدنا مرة واخرى اليوم وغدًا لنطالب بالإصلاح والتغيير. لكن القضية الفلسطينية تبقى قضية عادلة قضية شعب يعاني الملايين منه قسوة ما بعدها قسوة، من معاناة إنسانية تدمي القلب صورة معاناة ليست على البال والخاطر. فكيف تريد هذه الادراة بناء مجتمع عادل في العراق وهي لا تعدل في قضية عادلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت