فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 1226

قِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَا شَمِلَهُ الْعُمُومُ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِ الرِّبَا فَلَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ لِلْمَعْنَى ، فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ وَرَدِّهِ إلَى الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا ؛ وَلَيْسَ الْكَلَامُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْخَصْمِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفْتُمَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَخُصُوصِهَا ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِيَاسِ وَرَدِّ غَيْرِ الْمَذْكُورِ إلَى الْمَذْكُورِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى .

وقَوْله تَعَالَى: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } قَدْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْمُطَالَبَةِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَدِينِ وَجَوَازَ أَخْذِ رَأْسِ مَالِ نَفْسِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ اقْتِضَاءَهُ وَمُطَالَبَتَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ رِضَى الْمَطْلُوبِ ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنٌ فَطَالَبَهُ بِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ شَاءَ أَمْ أَبَى ؛ وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَتْ لَهُ هِنْدٌ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي ، فَقَالَ: { خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } فَأَبَاحَ لَهَا أَخْذَ مَا اسْتَحَقَّتْهُ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ مِنْ النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَى أَبِي سُفْيَانَ .

وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْغَرِيمَ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ كَانَ ظَالِمًا ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْله تَعَالَى: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } فَجَعَلَ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِرَأْسِ الْمَالِ ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أَمْرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِقَضَائِهِ وَتَرْكِ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَائِهِ ، فَإِنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْهُ كَانَ لَهُ ظَالِمًا وَلِاسْمِ الظُّلْمِ مُسْتَحِقًّا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ وَهِيَ الْحَبْسُ .

وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ: قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ: { لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: لَا تَظْلِمُونَ بِأَخْذِ الزِّيَادَةِ وَلَا تُظْلَمُونَ بِالنُّقْصَانِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ جَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ إلَيْهِ كَانَ ظَالِمًا لَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ .

وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالضَّرْبِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَبْسًا ، لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ سَاقِطٌ عَنْهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا .

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلِّظُ لَهُ ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَطْلُ الْغَنِيُّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } فَجَعَلَ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمًا ، وَالظَّالِمُ لَا مَحَالَةَ مُسْتَحِقٌّ الْعُقُوبَةَ وَهِيَ الْحَبْسُ ، لَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ .

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِرْمَاسُ بْنُ حَبِيبٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَرِيمٍ لِي ، فَقَالَ لِي: الْزَمْهُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِك ؟ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ حَبْسَ الْغَرِيمِ لِأَنَّ الْأَسِيرَ يُحْبَسُ ؛ فَلَمَّا سَمَّاهُ أَسِيرًا لَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ حَبْسَهُ .

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } وَالْمُرَادُ بِالْعُقُوبَةِ هُنَا الْحَبْسُ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُوجِبُ غَيْرَهُ .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْحَبْسَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدُّيُونِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ ثَبَتَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا تَرَكَهُ فِي الْحَبْسِ أَبَدًا حَتَّى يَقْضِيَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ .

وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا قَالَ إنِّي مُعْسِرٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ قَالَ: فَسَلْ عَنِّي ، فَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا ، وَحَبَسَهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْعُسْرِ ، فَلَا يَحْبِسَهُ .

وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: كَانَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ ، يَقُولُونَ: ( إنَّ كُلَّ دَيْنٍ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ مَالٍ وَقَعَ فِي يَدَيْ الْمَدِينِ كَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَالْعُرُوضِ وَنَحْوِهَا ، فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ بِهِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مِنْ مَالٍ وَقَعَ فِي يَدِهِ مِثْلَ الْمَهْرِ وَالْجُعْلِ مِنْ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْكَفَالَةِ ، لَمْ يَحْبِسْهُ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ وُجُودُهُ وَمَلَاؤُهُ ) .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: ( يَحْبِسُهُ فِي الدُّيُونِ إذَا أَخْبَرَ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا ) .

وَقَالَ مَالِكٌ: ( لَا يُحْبَسُ الْحُرُّ وَلَا الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ وَلَا يُسْتَبْرَأُ أَمْرُهُ ، فَإِنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ قَدْ خَبَّأَ مَالًا حَبَسَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَحْبِسْهُ وَخَلَّاهُ ) .

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: ( إذَا كَانَ مُوسِرًا حُبِسَ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُحْبَسْ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت