وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ وَكَانُوا ذِمَّةً نَصَارَى: إمَّا أَنْ تَذَرُوا الرِّبَا وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ: { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ كِتَابًا فِي آخِرِهِ: عَلَى أَنْ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ } .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } عَقِيبَ قَوْلِهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } هُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ عَلَى حَالِهِ وَمِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا مَعَ قَبُولِ الْأَمْرِ .
فَمَنْ رَدَّ الْأَمْرَ قُوتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ ، وَمَنْ قَبِلَ الْأَمْرَ وَفَعَلَهُ مُحَرِّمًا لَهُ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِهِ إنْ كَانَ مُمْتَنِعًا وَلَا يَكُونُ مُرْتَدًّا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا عُزِّرَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَا يَرَى الْإِمَامُ .
وقَوْله تَعَالَى: { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } إعْلَامٌ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَفِي ذَلِكَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِمِقْدَارِ عِظَمِ الْجُرْمِ وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ هَذِهِ السِّمَةَ ، وَهِيَ أَنْ يُسَمُّوا مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَهَذِهِ السِّمَةُ يَعْتَوِرُهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: الْكُفْرُ إذَا كَانَ مُسْتَحِلًّا ، وَالْآخَرُ: الْإِقَامَةُ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا مَعَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ إعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمُحَارَبَتِهِمْ ، وَيَكُونُ إيذَانًا لَهُمْ بِالْحَرْبِ حَتَّى لَا يُؤْتُوا عَلَى غِرَّةٍ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } فَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ الْخِطَابُ بِذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ إذَا كَانُوا ذَوِي مَنْعَةٍ ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ دَخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَاعِلِي ذَلِكَ فِي الْخِطَابِ وَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهِ ، فَهُوَ أَوْلَى .
قَوْله تَعَالَى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ غَرِيمًا لَكُمْ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ ، وَالثَّانِي: عَلَى أَنَّ ( كَانَ ) الْمُكْتَفِيَةَ بِاسْمِهَا عَلَى مَعْنَى: ( وَإِنْ وَقَعَ ذُو عُسْرَةٍ أَوْ إنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ ) كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: فِدًى لِبَنِي شَيْبَانَ رَحْلِي وَنَاقَتِي إذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْهَبُ مَعْنَاهُ: إذَا وُجِدَ يَوْمٌ كَذَلِكَ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ( أَنَّهُ فِي الرِّبَا خَاصَّةً ) وَكَانَ شُرَيْحٌ يَحْبِسُ الْمُعْسِرَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ .
وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ وَالضَّحَّاكِ ( أَنَّهُ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ ) ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ: ( إنَّ الَّذِي فِي الْآيَةِ إنْظَارُ الْمُعْسِرِ فِي الرِّبَا ، وَسَائِرِ الدُّيُونِ فِي حُكْمِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ ) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِسَائِرِ الدُّيُونِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ وَجْهِ الِاحْتِمَالِ ، وَلِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ مِنْ السَّلَفِ عَلَى ذَلِكَ ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونُوا تَأَوَّلُوهُ عَلَى مَا لَا احْتِمَالَ فِيهِ ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى الرِّبَا إلَّا بِدَلَالَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِ لَفْظِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } غَيْرَ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ وَكَانَ مُتَضَمِّنًا لِمَا قَبْلَهُ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ .
قِيلَ: هُوَ كَلَامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ لِمَا فِي فَحْوَاهُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَاهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِعْسَارِ وَالْإِنْظَارِ قَدْ دَلَّ عَلَى دَيْنٍ تَجِبُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَالْإِنْظَارُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَقٍّ قَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ وَصَحَّتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا ، فَإِذَا كَانَ فِي مَضْمُونِ اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي حُكْمِ الْإِنْظَارِ إذَا كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ، كَانَ اللَّفْظُ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ وَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَلَمْ يَجِبْ الِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى الرِّبَا دُونَ غَيْرِهِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الرِّبَا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبْطَلَهُ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُنْظَرًا بِهِ ؟ قَالَ: فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ عَامَّةً فِي سَائِرِ الدُّيُونِ .
وَهَذَا الْحَجَّاجُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبْطَلَ الرِّبَا وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْمَشْرُوطَةُ وَلَمْ يُبْطِلْ رَأْسَ الْمَالِ ، لِأَنَّهُ قَالَ: { وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } وَالرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ ثُمَّ قَالَ: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } يَعْنِي سَائِرَ الدُّيُونِ ، وَرَأْسُ الْمَالِ أَحَدُهَا ؛ وَإِبْطَالُ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا لَمْ يُبْطِلْ رَأْسَ الْمَالِ ، بَلْ هُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ يَجِبُ أَدَاؤُهُ .
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْإِنْظَارُ مَأْمُورًا بِهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ ، فَهُوَ وَسَائِرُ الدُّيُونِ سَوَاءٌ .