بمائة وعشرين درهمًا بلا حيلة البتة ، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف ، بل
المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال وأزيد منها .
الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم ، وإنما انتفعوا بثمنه . ويلزم
من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك ، فلما
لُعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص لهم على تحريمه ؛ علم أن الواجب النظر
إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة ) [7] .
* ثانيًا: بيع التورق وعلاقته بالحيل:
التورُّق نوع من البيوع اختُلف في جوازه ، فقد منعه كثير من العلماء ، كما
أجازه بعضهم مع تحفظ وشروط لا بد من توفرها عند التعامل بها ، ومن أهمها
توفر صيغة البيع الشرعي الصحيح ، والبيع كما عرفه الجصاص هو:( تمليك
المال بإيجاب وقبول عن تراض بينهما )، ومن هذا التعريف فالبيع الصحيح هو ما
تم فيه نقل الملك ، وتم فيه القبض ، باستثناء بيوع الآجال المرخص فيها ، وكان
ذلك بعوض على وجه جائز شرعًا [8] .
والحيل في البيوع تأتي بفقدان عنصر من عناصر صحة البيع ؛ إما بفقد
التقابض أو التراضي الصحيح ، أو عدم الجواز الشرعي في الثمن أو المثمن ، ومن
هنا تأتي الحيل لتصحيح المعاملة لتأخذ الشكل المباح . يقول ابن قدامة في المغني:
( والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين ، وهو أن يظهر عقدًا مباحًا
يريد به محرمًا ؛ مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو
إسقاط واجب ) [9] . ويعرّف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم
الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بتاريخ 11 رجب عام 1419هـ التورق بأنه
( شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل ، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع
للحصول على النقد ) ، ومن هذا التعريف ندرك شرط تملُّك السلعة وحيازتها بعينها
لدى البائع قبل البيع ، مع عدم شرائه لها مرة أخرى بأي أسلوب . وهذا البيع نوع
من أنواع بيوع المضطر ، وقد ورد في مسند الإمام أحمد عن علي - رضي الله
عنه - ، كما نقله ابن القيم في كتابه ( أعلام الموقعين ) ، قال: ( سيأتي على
الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك ، قال الله
تعالى: [ وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُم ] ( البقرة: 237 ) ، ... ويبايع المضطرون ،
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر ، وعن بيع الغرر ،
وبيع الثمر قبل أن يطعم ) . وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله:( فإن
عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة ؛ يضن بها عليه الموسر بالقرض
حتى يربح عليه في المائة ما حب ، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي
العينة ، وإن باعها لغيره فهو التورق ، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل
الربا . والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق ، وقد كرهه عمر بن عبد
العزيز وقال هو آخية الربا بوزن قضية ، تربط إلى وتد مدقوق تشد بها الدابة ،
وعن أحمد فيه روايتان ، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر ، وهذا من فقهه
-رضي الله عنه - ، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر . وكان شيخنا
-رحمه الله - يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخِّص
فيها ، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه ، مع زيادة الكلفة
بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها ، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو
أعلى منه ) [10] .
والتورق صورة من صور بيوع العينة ، فبيع العينة كما عرّفه الفيومي في
المصباح بقوله:( العينة بالكسر السلف ، واعنان الرجل اشترى الشيء بالشيء
بنسيئة ، والاسم العينة بالكسر ، وفسّرها الفقهاء بأنها بيع الرجل متاعه إلى أجل ثم
يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم له ، وقيل لهذه البيع عينة ؛ لأن مشتري السلعة
إلى أجل يأخذ بدلها عينًا ؛ أي نقدًا حاضرًا ) [11] ، وقد عرف الإمام ابن تيمية
-رحمه الله - العينة بقوله: ( العينة في الأصل السلف ، والسلف يتم بتعجيل الثمن
وتعجيل المثمن وهو الغالب هنا ، يقال اعنان الرجل وتعين إذا اشترى الشيء
بنسيئة ، كأنها مأخوذة من العين ( الدنانير والدراهم ) وهو المعجل ، وصيغت على
« فعلة » لأنها نوع من ذلك ، وقال أبو إسحاق الجوزجاني: إنها من العين ؛ لحاجة
الرجل إلى العين من الذهب والورق ) [12] .
وهذا التعريف للعينة ، والتي قد أجمع علماء المسلمين على تحريمها ، ينطبق
على بيع التورق ، حيث إن القصد من بيع التورق هو الحصول على النقد ، فيتم
شراء سلعة مؤجلة السداد لبيعها بقصد الحصول على النقد ، والإمام أحمد - رحمه
الله - عندما أجاز التورق في إحدى روايتيه إنما أجازه مع الكراهة ، يقول ابن القيم:
( وعن أحمد فيه( التورق ) روايتان الحرمة والكراهة ) ، وأشار في رواية
الكراهة إلى أنه ( المتعامل في التورق ) مضطر . وبالتالي فإن للاضطرار أحكامه ،
فليس كل من رغب في المال لشراء ما تشتهيه نفسه أو يتوسع في تجارته يعتبر
مضطرًا ، فيتم التعامل بصيغة التورق ليصبح الأمر حلالًا صرفًا ، كما يتم الإعلان
عنه في الصحف من قِبَل البنوك التي تدعو الناس إلى الاقتراض بأسلوب صيغة
التورق ، مع عدم الالتزام بقواعد التعامل في التورق وفق ما تمت إجازته من قِبَل
أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي ، حيث اشترط التملك والحيازة لبائع السلعة
لمشتريها من البنك ، فهذا الشرط مفقود في التعامل الذي تمارسه البنوك كما سوف
نناقشه لاحقًا .
* ثالثًا: ماهية الربا وحقيقته:
لإدراك علاقة بيع التورق بالربا المعاصر ، وأنه وسيلة من وسائل استحلال
الربا ؛ فإن من الضروري تحديد ماهية الربا وحقيقته ؛ حتى يمكن فهم حقيقة اندفاع
البنوك لتبني هذا النوع من حيل لاستحلال الربا ، وإشاعته ، وتيسير أكله وتأكيله
ضمن غطاء الإباحة الشرعية ، وأنه تعامل تجيزه الشريعة وفق ما أفتت به اللجان
الشرعية التي كونتها هذه البنوك . فهذه الصيغة من التحايل لا تختلف عن حقيقة ما
تمارسه من تعامل ربوي صرف .
إن مادة كلمة الربا تعني الزيادة والنمو ، فقد جاء في لسان العرب بأن الأصل
فيه هو الزيادة من ربا المال إذا زاد ، فالمعنى اللغوي المجرد يعتبر زيادة في ذات
الشيء ، وهذا المعنى قد ورد في القرآن الكريم عند الحديث عن الربا في قوله
تعالى:[ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ]( البقرة:
278-279 )، وقوله تعالى:[ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو
عِندَ اللَّهِ ] ( الروم: 39 ) . والزيادة على المال المقرض إنما هو من أجل التأجيل
كما أشار إليه أبو بكر الجصّاص في كتابه ( أحكام القرآن ) ، يقول:( معلوم أن
ربا الجاهلية إنما هو قرض مؤجل بزيادة مشروطة ، وكانت الزيادة بدلًا من الأجل ،
فأبطله الله تعالى ) [13] .
وهذا المفهوم يؤكده الإمام الرازي في تفسيره بقوله:( إن ربا النسيئة التأجيل
هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية ؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل
على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا ورأس المال باق بحاله ، فإذا حلَّ طالبه برأس
ماله ، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل ) [14] . وهذا المفهوم هو