أكل الربا ، فإن لم يأكله أصابه من غباره » ، وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة قال:
« يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله من غباره » ، وقد
ورد في هذا المعنى حديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ؛
أم من حلال أم من حرام » .
هذه الظاهرة بدأت في التجذر والاتساع في المعاملات المصرفية لتوسيع نطاق
الربا باستخدام ما يعرف في الفقه الإسلامي بصيغة « التورق » في شراء السلع
وبيعها ، وإدخالها في جميع المعاملات المصرفية ذات الطابع الإقراضي
والاقتراضي باعتباره مخرجًا من الربا ، سواء فيما يتعلق بتمويل الأفراد
والمؤسسات ، أو بإعطاء الفائدة للمودعين فيما يُعرف في المصطلح البنكي بالفائدة
على الودائع لأجل ، واستُخدمت صيغة التورق أداة ومخرجًا للإقراض والاقتراض
من قِبَل المصارف ، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة حقيقة هذه الصيغة وما
ينتج عنها من عقود يتم التعامل بها من قِبَل البنوك التجارية ؛ بدارسة كيفية منحها
التمويل من خلال بيع المرابحة باستخدام صيغة التورق كحيلة لاستحلال الربا ،
وهذا ما سنعرضه من خلال الجوانب الآتية:
أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة .
ثانيًا: بيع التورق وعلاقته بالحيل الفقهية .
ثالثًا: ماهية الربا وحقيقته .
رابعًا: عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك .
خامسًا: ربوية صيغة التورق كما تتم في البنوك .
* أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة:
الحيل الفقهية أسلوب من الأساليب التي تُتبع ؛ إما للوصول إلى ما حرّمه الله
تحت غطاء الشرع ، وإما للبحث عن مخارج تحل بعض القضايا التي قد تتعارض
في ظاهرها مع القواعد والعلل التي يستند إليها الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لأي
قضية من القضايا .
المعنى اللغوي للحيل والتي مفردها حيلة: عرفت في المعجم الوسيط
بـ ( تحيل كان حاذقًا جيد النظر قديرًا على دقة التعرف في الأمور ) [1] ، وقد
استعرض صاحب كتاب الحيل الفقهية في المعاملات المالية المفهوم الخاص بالحيل ،
ووصل في تحليله لمفهوم الحيل إلى القول( بأن الحيلة تطلق ويراد بها عدة معان ،
فيراد بها التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ومن شيء إلى آخر ، أو بمعنى
الحيلولة والحجز بين الشيئين أو الإنسان والشيء ، أو بمعنى عدم الحمل بالنسبة لكل
أنثى ، وبمعنى طلب الحيلة ؛ أي الاحتيال ، وبمعنى الصفة ) [2] .
أما المعنى الفقهي فيقول ابن القيم:( فالحيلة هي نوع مخصوص من
التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال ، ثم غلب عليها بالعرف
استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه ؛
بحيث لا يُفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة ، فهذا أخص من موضوعها في اللغة ،
وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا . وأخص من هذا استعمالها في
الغرض الممنوع شرعًا أو عقلًا أو عادة ، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس )
ومن هنا فإن الحيل لا تعتبر جميعها محرمة ، وإنما المحرم ما كان وسيلة إلى
الوصول إلى ما حرم أخذه أو فعله . ولذا لا بد من معرفة الفرق بين الحيل المحرمة
والحيل الجائزة ، يقول الشاطبي:( الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما
هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية ، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلًا
شرعيًا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي ) [4] ، وقد
وضع الإمام الشاطبي - رحمه الله - مقياسًا يتبين به المتأمل نوع الحيلة ، ومدى
قبولها من رفضها ، يقول:( فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه
أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب ؛ حتى يصير ذلك الواجب
غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالًا في الظاهر أيضًا ؛ فهذا التسبب يُسمّى حيلة
وتحيّلًا ) [5] . ومن هنا يتضح أن أي أسلوب يُتخذ أو يُتبع يؤدي إلى إسقاط
الواجب أو تحليل المحرم في الظاهر ؛ فإنه يُسمّى حيلة عند الفقهاء .
إن التحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام
وفعله ؛ من الأمور التي حرمها الله تعالى في كتابه ، وأجمع على تحريمها سلف هذه
الأمة ، ومن أجاز صورًا من العقود البيعية للبنوك ( والتي سنناقشها لاحقًا ) ؛ بقصد
توفير احتياجات الناس للمال بدون إيقاعهم في الربا ظاهرًا ، وبقصد إخراجهم من
الضيق والحرج والتوسعة عليهم بحكم أن الشريعة دائرة أحكامها على التخفيف
واليسر والأخذ بالرخص ؛ فهذا أمر غير مسوَّغ شرعًا ، فإن من الأمور التي يأمر
بها الشرع تقوية الخوف من الله ، وهذا من مقاصد الشرع ، ولهذا نجد في كثير من
الأمور أن الشريعة حرّمت كثيرًا من البيوع سدًا لذريعة الربا ، كما نهت عن
ممارسة كثير من الأمور المشتبهات بقصد تقوية الخوف من الله حذرًا من الوقوع
فيما حرمه ، ولهذا فلا ينبغي تتبع حيل المذاهب من أجل تلبية رغبة الناس
وإرضائهم ، ومن الأمور المؤسفة تتبع الآراء الشاذة والحيل التي وضعها بعض
الفقهاء للابتعاد عن تنفيذ أحكام الله وعن مقاصد الشريعة التي من أجلها جاءت
الشريعة ، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية ، كما هو حاصل الآن من إجازة
عقود تتعارض مع مقاصد الشريعة تلبية لرغبات الناس ، ومن الأمور المقررة
شرعًا أن هناك تلازمًا بين مقاصد الشريعة والنية والعمل ، يقول ابن القيم:( فالنية
روح العمل ولبّه وقوامه ، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها ، والنبي
صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم ، وهو قوله:
« إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، فيبين في الجملة الثانية
أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه ، وهذا يعم العبادات والمعاملات
والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال ، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد
الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع ) [6] .
وقد استشهد - رحمه الله - لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة
أصحاب الجنة ؛ ( بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط
نصيب المساكين ، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ، ولم يعصمهم
التوسل إلى ذلك بصورة البيع ، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها ، فإنها
بعد الإذابة يفارقها الاسم ، وتنتقل إلى اسم الودك ، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة
الاسم لم ينفعهم ذلك ... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه
الحاكم وغيره: « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ،
وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة
الأكل ، فإذا كان فيه منفعة أخرى ، وكان الثمن في مقابلتها ؟ لم يدخل في هذا . إذا
تبين هذا ؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون
مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته ؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين:
أحدهما: أن الشحم خرج بجمله ( إذابته ) عن أن يكون شحمًا وصار ودكًا ،
كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك ،
فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم
اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما ، وإنما هي كما قال
فقيه الأمة: « دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة » ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة