فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 1226

أكل الربا ، فإن لم يأكله أصابه من غباره » ، وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة قال:

« يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله من غباره » ، وقد

ورد في هذا المعنى حديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: « ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ؛

أم من حلال أم من حرام » .

هذه الظاهرة بدأت في التجذر والاتساع في المعاملات المصرفية لتوسيع نطاق

الربا باستخدام ما يعرف في الفقه الإسلامي بصيغة « التورق » في شراء السلع

وبيعها ، وإدخالها في جميع المعاملات المصرفية ذات الطابع الإقراضي

والاقتراضي باعتباره مخرجًا من الربا ، سواء فيما يتعلق بتمويل الأفراد

والمؤسسات ، أو بإعطاء الفائدة للمودعين فيما يُعرف في المصطلح البنكي بالفائدة

على الودائع لأجل ، واستُخدمت صيغة التورق أداة ومخرجًا للإقراض والاقتراض

من قِبَل المصارف ، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة حقيقة هذه الصيغة وما

ينتج عنها من عقود يتم التعامل بها من قِبَل البنوك التجارية ؛ بدارسة كيفية منحها

التمويل من خلال بيع المرابحة باستخدام صيغة التورق كحيلة لاستحلال الربا ،

وهذا ما سنعرضه من خلال الجوانب الآتية:

أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة .

ثانيًا: بيع التورق وعلاقته بالحيل الفقهية .

ثالثًا: ماهية الربا وحقيقته .

رابعًا: عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك .

خامسًا: ربوية صيغة التورق كما تتم في البنوك .

* أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة:

الحيل الفقهية أسلوب من الأساليب التي تُتبع ؛ إما للوصول إلى ما حرّمه الله

تحت غطاء الشرع ، وإما للبحث عن مخارج تحل بعض القضايا التي قد تتعارض

في ظاهرها مع القواعد والعلل التي يستند إليها الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لأي

قضية من القضايا .

المعنى اللغوي للحيل والتي مفردها حيلة: عرفت في المعجم الوسيط

بـ ( تحيل كان حاذقًا جيد النظر قديرًا على دقة التعرف في الأمور ) [1] ، وقد

استعرض صاحب كتاب الحيل الفقهية في المعاملات المالية المفهوم الخاص بالحيل ،

ووصل في تحليله لمفهوم الحيل إلى القول( بأن الحيلة تطلق ويراد بها عدة معان ،

فيراد بها التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ومن شيء إلى آخر ، أو بمعنى

الحيلولة والحجز بين الشيئين أو الإنسان والشيء ، أو بمعنى عدم الحمل بالنسبة لكل

أنثى ، وبمعنى طلب الحيلة ؛ أي الاحتيال ، وبمعنى الصفة ) [2] .

أما المعنى الفقهي فيقول ابن القيم:( فالحيلة هي نوع مخصوص من

التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال ، ثم غلب عليها بالعرف

استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه ؛

بحيث لا يُفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة ، فهذا أخص من موضوعها في اللغة ،

وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا . وأخص من هذا استعمالها في

الغرض الممنوع شرعًا أو عقلًا أو عادة ، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس )

ومن هنا فإن الحيل لا تعتبر جميعها محرمة ، وإنما المحرم ما كان وسيلة إلى

الوصول إلى ما حرم أخذه أو فعله . ولذا لا بد من معرفة الفرق بين الحيل المحرمة

والحيل الجائزة ، يقول الشاطبي:( الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما

هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية ، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلًا

شرعيًا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي ) [4] ، وقد

وضع الإمام الشاطبي - رحمه الله - مقياسًا يتبين به المتأمل نوع الحيلة ، ومدى

قبولها من رفضها ، يقول:( فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه

أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب ؛ حتى يصير ذلك الواجب

غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالًا في الظاهر أيضًا ؛ فهذا التسبب يُسمّى حيلة

وتحيّلًا ) [5] . ومن هنا يتضح أن أي أسلوب يُتخذ أو يُتبع يؤدي إلى إسقاط

الواجب أو تحليل المحرم في الظاهر ؛ فإنه يُسمّى حيلة عند الفقهاء .

إن التحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام

وفعله ؛ من الأمور التي حرمها الله تعالى في كتابه ، وأجمع على تحريمها سلف هذه

الأمة ، ومن أجاز صورًا من العقود البيعية للبنوك ( والتي سنناقشها لاحقًا ) ؛ بقصد

توفير احتياجات الناس للمال بدون إيقاعهم في الربا ظاهرًا ، وبقصد إخراجهم من

الضيق والحرج والتوسعة عليهم بحكم أن الشريعة دائرة أحكامها على التخفيف

واليسر والأخذ بالرخص ؛ فهذا أمر غير مسوَّغ شرعًا ، فإن من الأمور التي يأمر

بها الشرع تقوية الخوف من الله ، وهذا من مقاصد الشرع ، ولهذا نجد في كثير من

الأمور أن الشريعة حرّمت كثيرًا من البيوع سدًا لذريعة الربا ، كما نهت عن

ممارسة كثير من الأمور المشتبهات بقصد تقوية الخوف من الله حذرًا من الوقوع

فيما حرمه ، ولهذا فلا ينبغي تتبع حيل المذاهب من أجل تلبية رغبة الناس

وإرضائهم ، ومن الأمور المؤسفة تتبع الآراء الشاذة والحيل التي وضعها بعض

الفقهاء للابتعاد عن تنفيذ أحكام الله وعن مقاصد الشريعة التي من أجلها جاءت

الشريعة ، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية ، كما هو حاصل الآن من إجازة

عقود تتعارض مع مقاصد الشريعة تلبية لرغبات الناس ، ومن الأمور المقررة

شرعًا أن هناك تلازمًا بين مقاصد الشريعة والنية والعمل ، يقول ابن القيم:( فالنية

روح العمل ولبّه وقوامه ، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها ، والنبي

صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم ، وهو قوله:

« إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، فيبين في الجملة الثانية

أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه ، وهذا يعم العبادات والمعاملات

والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال ، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد

الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع ) [6] .

وقد استشهد - رحمه الله - لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة

أصحاب الجنة ؛ ( بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط

نصيب المساكين ، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ، ولم يعصمهم

التوسل إلى ذلك بصورة البيع ، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها ، فإنها

بعد الإذابة يفارقها الاسم ، وتنتقل إلى اسم الودك ، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة

الاسم لم ينفعهم ذلك ... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه

الحاكم وغيره: « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ،

وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة

الأكل ، فإذا كان فيه منفعة أخرى ، وكان الثمن في مقابلتها ؟ لم يدخل في هذا . إذا

تبين هذا ؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون

مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته ؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين:

أحدهما: أن الشحم خرج بجمله ( إذابته ) عن أن يكون شحمًا وصار ودكًا ،

كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك ،

فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم

اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما ، وإنما هي كما قال

فقيه الأمة: « دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة » ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت