قلت: قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه ، ويطلبه إن لم يكن حاضرا ، فإن التبس من وجوده فليتصدق بذلك عنه ، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه ، فإن التبس عليه الأمر ولم يدركم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده . حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه ، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه . فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين أو إلى ما فيه صلاح المسلمين حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبته وقوت يوم ؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه ، وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء؛ لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه ، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه ، وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته ، ثم كل ما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ، ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه (1) .
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ } (2) أي بأخذ الزيادة ولا تظلمون الأموال أيضا بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه . وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الحسن بن أشكاب حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن شبيب عن غرقدة المبارقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: « خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب كله » (3) كذا وجده سليمان بن الأحوص ، وقد قال ابن مردويه حدثنا الشافعي حدثنا معاذ بن المثنى ، أخبرنا مسدد ، أخبرنا أبو الأحوص حدثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » (4) . وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حمزة المرقاشي عن عمرو هو ابن خارجة فذكره (5) .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلامه على آيات الربا:
ثم قال: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (6) يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه ، وقد عاقدتم عليه ، فإنما لكم رؤوس أموالكم
(1) تفسير القرطبي المسمى (الجامع لأحكام القرآن) ، جزء (3) ، من ص 365 إلى صفحة 376.
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) سنن الترمذي تفسير القرآن (3087) ,سنن ابن ماجه المناسك (3055) .
(4) سنن الترمذي تفسير القرآن (3087) ,سنن ابن ماجه المناسك (3055) .
(5) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، جزء (1) ، صفحة 331.
(6) سورة البقرة الآية 279
لا تزيدون عليها فتظلمون الآخذ ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها ، فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة ، وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم ، فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه (1) .
وقال الشيخ محمد رشيد رضا من تفسير المنار على قوله تعالى
{ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (2)
أي فمن بلغه تحريم الله تعالى للربا ونهيه عنه فترك الربا فورا بلا تراخ ولا تردد انتهاءا عما نهى الله عنه فله ما كان أخذه فيما سلف من الربا لا يكلف رده إلى من أخذه منهم بل يكتفى منه بأن لا يضاعف عليهم بعد البلاغ شيئا { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (3) يحكم فيه بعدله ، ومن العدل ألا يؤاخذ بما أكل من الربا قبل التحريم وبلوغه الموعظة من ربه . ولكن العبارة تشعر بأن إباحة أكل ما سلف رخصته للضرورة وتومئ إلى أن رد ما أخذ من قبل النهي إلى أربابه الذين أخذ منهم من أفضل العزائم ؛ ألم تر أنه عبر عن إباحة ما سلف باللام ولم يقل كما قال بعد ذكر كفارة صيد المحرم 5: 95- { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } (4) وأنه عقب هذه الإباحة بإبهام الجزاء وجعله إلى الله والمعهود في أسلوبه أن يصل مثل ذلك بذكر المغفرة والرحمة ، كما قال في آخر آية محرمات النساء 4: 23-
{ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } (5) أباح أكل ما سلف قبل التحريم وأبهم جزاء آكله . لعله يغص بأكل ما في يده منه فيرده إلى صاحبه ، ولكنه صرح بأشد الوعيد على من أكل شيئا بعد النهي فقال تعالى { وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (6) أي ومن عاد إلى من كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك
(1) التفسير القيم لابن القيم, ص 172 و 173 .
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 275
(4) سورة المائدة الآية 95
(5) سورة النساء الآية 23
(6) سورة البقرة الآية 275
البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عما يضر بهم في أفرادهم أو جميعهم (1) .
وحول تفسير ما سبق من الآيات في الربا قال محمد بن أحمد بن رشد (فصل) فإن فات البيع فليس له إلا رأس ماله قبض الربا أو لم يقبضه . فإن كان قبضه رده إلى صاحبه ، وكذلك من أربى ثم تاب فليس له إلا رأس ماله ، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه ، فإن لم يعلمه تصدق به عنه لقول الله عز وجل { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (2) الآية . وأما من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له ، لقول الله عز وجل: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (3) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أسلم على شيء فهو له » .
وأما إن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه وهو موضوع عن الذي هو عليه ولا خلاف في هذا أعلمه؛ لقول الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (4)
نزلت هذه الآية في قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم ، وكانوا قد اقتضوا بعضه منهم وبقي بعضه فعفا الله لهم عما كانوا اقتضوه وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه . وقيل نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله الآية بتحريم اقتضاء ما كان بقي لهما ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: « ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب » (5) .
خلاصة ما سبق من كلام المفسرين ما يلي: أن المرابي لا يخلو من إحدى حالتين:
(1) تفسير المنار، جزء (3) ، ص 97- 98.
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) سورة البقرة الآية 275
(4) سورة البقرة الآية 278
(5) سنن الترمذي تفسير القرآن (3087) ,سنن ابن ماجه المناسك (3055) .
الحالة الأولى: