فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 1226

يعني جل ثناؤه بذلك إن تبتم فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله عز وجل فلكم رؤوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم كما حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (2) المال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية ، فأما الربح والفضل فليس لهم ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا ، حدثني المثنى قال حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك قال وضع الله الربا وجعل لهم رؤوس أموالهم . حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (3) قال ما كان لهم من دين فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزاد عليه شيئا ، حدثني موسى بن هرون قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط عن السدي { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (4) الذي أسلفتم وسقط الربا ، حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم الفتح: « ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب » (5) حدثنا المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: « إن كل ربا موضوع ، وأول ربا يوضع ربا العباس » (6) .

القول في تأول قوله تعالى { لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (7) .

يعني بقوله لا تظلمون بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحهم التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذه أو لم يكن لكم

(1) سورة البقرة الآية 279

(2) سورة البقرة الآية 279

(3) سورة البقرة الآية 279

(4) سورة البقرة الآية 279

(5) صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .

(6) صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .

(7) سورة البقرة الآية 279

قبل (ولا تظلمون) يقول ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه ؛ لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقا لكم عليه فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك: حدثني المثني قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ } (1) فتربون ولا تظلمون فتنقصون ، وحدثني يوسف قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله { فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (2) قال لا تنقصون من أموالكم ولا تأخذون باطلا لا يحل لكم (3) .

وقال القرطبي: رحمه الله تعالى (الرابعة والثلاثون) قوله تعالى { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (4) روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: « ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » (5) .

وذكر الحديث فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم لا تظلمون في أخذ الربا ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل ؛ لأن مطل الغني ظلم . فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا ، وهكذا سنة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح . ألا ترى « أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين أبي حدرد بوضع الشطر فقال: كعب

(1) سورة البقرة الآية 279

(2) سورة البقرة الآية 279

(3) تفسير الطبري المسمى (جامع البيان في تفسير القرآن) ، - المجلد الثالث، ص 72.

(4) سورة البقرة الآية 279

(5) سنن الترمذي تفسير القرآن (3087) ,سنن ابن ماجه المناسك (3055) .

نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر قم فاقضه » (1) ، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات . إلى أن قال رحمه الله تعالى:

(الخامسة والثلاثون) قوله تعالى { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (2) تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه ، فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد ، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع ؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد ، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض ؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض ، ولو كان مقبوضا لم يؤثر ، هذا مذهب أبي حنيفة وهو قول لأصحاب الشافعي . ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف ، ويروى هذا الخلاف عن أحمد . وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض . وأما من يمنع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا ، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين ، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أهوال وصلت إليهم بالهبة فلا يتعرض له ، فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل ، واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى كما حكى عن اليهود في قوله تعالى { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } (3) وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } (4)

فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به ، نعم يفهم من هذا العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إذا كانت معقودة على فساد .

(1) صحيح البخاري الصلاة (445) ,صحيح مسلم المساقاة (1558) ,سنن النسائي آداب القضاة (5408) ,سنن أبو داود الأقضية (3595) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2429) ,مسند أحمد بن حنبل (3/454) ,سنن الدارمي البيوع (2587) .

(2) سورة البقرة الآية 279

(3) سورة النساء الآية 161

(4) سورة هود الآية 62

ثم بين رحمه الله تعالى حكم المال الحلال إذا خالطه حرام فقال:

السادسة والثلاثون: ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب ؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام . قال ابن العربي: وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه ، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه ، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه ، والمثل قائم مقام الذاهب ، وهذا بين حسا بين معنى والله أعلم .

ثم بين رحمه الله تعالى رأيه فيمن يريد التخلص مما بيده من الأموال الربوية فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت