فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 1226

وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعيين ، إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك ، تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة ، وهذه ذريعة قريبة جدا فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذرائع ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا أو نسيئة (1) .

(1) إعلام الموقعين , ج2 ـ ص 99-100 .

التعامل مع البنوك

التعامل مع البنوك على إقراض المال بفائدة مشروطة محددة كاثنين في المائة مثلا أو أكثر أو أقل ، هل هو من أنواع الربا المحرم أم له احتمال آخر؟

نعود مرة أخرى إلى كتاب الودائع المصرفية آنف الذكر فنجد المؤلف يقرر بصراحة أن معنى الزيادة في القرض عند العقد هي إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي حرم تحريما قاطعا بنص القرآن ، ونص كلامه كالآتي: (إذا كان معنى الفائدة يختلف عن معنى الربح في المصطلح الفقهي ولا يلتقي معه بحال ، فماذا يكون موقف الفائدة من الربا ، هل تلتقي معه في إحدى صوره أم أنها تختلف عنه كما اختلفت عن الربح ولا تلتقي معه في واحدة منها ، ثم أفاض في البسط حتى قال: تبين لنا على ضوء ما تقدم أن معنى(الفائدة) على ضوء ما تقدم يلتقي تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد وهي أحد صورتي ربا الجاهلية الذي حرم تحريما قاطعا بنص القرآن ، بل هي الصورة البارزة في ربا الجاهلية حتى أن الجصاص بالغ في التوكيد عليها لدرجة أنه قال: ولم يكن تعاملهم - أي: عرب الجاهلية- بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع الزيادة ، فالفائدة إذن ما هي إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالة الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار بدليل عدم وجودها في الودائع الجارية - أي: تحت الطلب- مع أنها هي أيضا معتبرة قرضا في الفقه والتشريع ، كما أنها زيادة في قرض مؤجل أيضا لمصلحة البنك في حالة إقراضه لشخص آخر ، فالزيادة في حالة استقراض البنك بقبول الودائع المؤجلة أو إقراضه بدفع قروض من أمواله الخاصة

أو من ودائع المقترضين الآخرين هي ربا . بل هي الربا الذي لا يشك فيه ؛ لأنها إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي كانوا يتعاملون به والذي حرمه القرآن تحريما قاطعا بقوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: « ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب » (2) .

(1) سورة البقرة الآية 275

(2) سنن الترمذي تفسير القرآن (3087) ,سنن أبو داود البيوع (3334) ,سنن ابن ماجه المناسك (3055) .

تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي

يفرق بعض علماء الاقتصاد من الغربيين بين تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي بدعوى أن تحريم الربا كان من الضروريات في الماضي وأن إباحته في هذا العصر من الضروريات أيضا ؛ لأن الدين فيما مضى كان للاستهلاك وأما الآن فهو للإنتاج . وهو زعم متداع ؛ لأن الربا إن كان للاستهلاك فهو لنفقة المستدين على حاجاته الضرورية فإنه لا يجوز أن يرهق برد زائد على دينه ، فحسبه أن يرد أصل الدين عند الميسرة . وإن كان للإنتاج فالأصل أن الجهد الذي يبذله المستدين هو الذي ينال عليه الربح لا المال الذي يستدينه فالمال لا يربح إلا بالجهد (1) .

وفي إطار الحديث عن أنواع الربا يتحدث الداعية الإسلامي أبو الأعلى المودودي في الفصل الخامس من كتابه (الربا) تحت عنوان"الربا وأحكامه"فيقول: إن الربا هو الزيادة التي ينالها الدائن من مدينه نظير التأجيل ، وهذا النوع من الربا يصطلح عليه شرعا بربا النسيئة أي الزيادة بسبب النسيئة وهي التأجيل ، وهذا النوع من الربا هو المنصوص على تحريمه في القرآن ، وأجمع على تحريمه السلف الصالح والعلماء المجتهدون من بعدهم وتعاقبت القرون على ذلك الإجماع ولم يتطرق إليه الريب في عصر من العصور واستمر في البسط إلى أن قال: لقد كان الإسلام إنما نهى عن التعامل بالربا في شئون الدين والقرض في بادئ الأمر ، واستمر في البسط فتحدث عن ربا الفضل وقال: وهذا النوع أيضا قد حرمه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يفتح الباب في وجه الناس إلى الربا الصريح وينشئ فيهم

(1) روح الدين الإسلامي , ص333, 334 .

عقلية من نتائجها اللازمة شيوع المراباة في المجتمع ، وذلك عين ما أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: « لا تبيعوا الدرهم بدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء » (1) وهو الربا . وتحدث عن حكم ربا الفضل وأورد حديث عبادة بن الصامت وجملة أحاديث في معناه ، ثم علق عليها تعليقا ضافيا ثم ذكر خلاف الفقهاء في علة تحريم ربا الفضل وخلص من ذلك إلى القول بأن الاختلاف بين المذاهب في الأمور التي يدخلها الربا إنما هو من الأمور المشتبهة الواقعة على الحد بين الحلال والحرام ، فإن حاول أحد الآن محتجا بهذه المسائل المختلف فيها أن يرمي بالاشتباه أحكام الشريعة في المعاملات التي قد وردت النصوص على كونها من الربا ويفتح باب الرخص والحيل بهذا الطريق للاستدلال ويدعو الأمة إلى سلوك طرق الرأسمالية فلا شك أنه يعد تاركا للكتاب والسنة للظن والخرص وضالا مضلا ولو كان مخلصا صادق النية عند نفسه (2) ا هـ .

(1) مسند أحمد بن حنبل (2/109) .

(2) الربا ص90, 91, 98 .

وسائل القضاء على الربا

من مزايا دين الإسلام أنه لم يحرم شيئا إلا وأوجد له بديلا يغني عنه ، ويأخذ بحجز المسلمين من أن يقعوا في المحرم المنكور ، ولا نطيل ضرب الأمثلة لذلك وإنما نكتفي بتحريم الخمر . أبدل الله المسلمين عن شربها بشرب جميع العصيرات والمنتبذات مما لا يكون فيه شبهة حرام وعندما حرم الربا أباح البيع والتجارة في الأمور المباحة وأنواع المضاربة ، وهكذا فلم يرهق المسلم من أمره عسرا ، ولم يكلفه شططا ، وإنما أوجد له الحلول وشرع وسائل من شأنها القضاء على الربا والتجافي عنه والترفع عن مزالقه والتورط في إثمه ، ويشمل ذلك ما يأتي:

(أ) القرض الحسن: فبدلا من أن يقرض المسلم ماله بفائدة تقض مضجع المقترض وتزيد من محنته وبلباله ، رغب الإسلام في القرض الحسن بالوعد الكريم والجزاء الضافي كما قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } (1) ،

(1) سورة البقرة الآية 245

وقال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } (1) .

(1) سورة الحديد الآية 11

(ب) إنظار المعسر ريثما يزول إعساره والترغيب في إبراء ذمته من الدين دون مطالبته كما قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (1) .

(1) سورة البقرة الآية 280

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت