فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 1226

الشح: خلة وضعة وهوان تزري بصاحبها وتجعله نشازا في مجتمعه ، يجمع المال ويشح بإنفاقه حتى على مصالح نفسه . وعلى العكس منه البذل بسخاء خاصة في وجوه البر والخير وإغاثة الملهوف وكل ما فيه مصلحة للمجموع . وعلى هذا الاعتبار جاء تحريم الربا والترغيب في البذل ابتغاء كريم الأجر ، ونزل القرآن والعرب تتعامل بالربا لتفكك مجتمعهم وانفصام عرى التآلف بينهم ، فعندما تنزل الحاجة بأحدهم أو يوصله الفقر بالرغام لا يجد من يسعفه أو يعينه في محنته أو ينقذه من ذل الحاجة إلا بنكبته بالزيادة على ما يقرضه ، والمفاضلة بين ما يقبضه ويعيده من مال ، وذلك هو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه ، وقد أوردنا من آي الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يكفي عن المزيد ، بقي أن نوضح نوعية الربا المحرم والذي كانت العرب تتعامل به ، جاء في كتاب"أحكام القرآن"قوله: الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلا من جنس واحد ، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ، ولذلك قال تعالى: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } (1) فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى: { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } (2) إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة ، فأبطل الله الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا من البياعات وسماها ربا ، فانتظم قوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } (3) تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرناه من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل

(1) سورة الروم الآية 39

(2) سورة آل عمران الآية 130

(3) سورة البقرة الآية 275

مع شرط الزيادة (1) ا هـ .

وذكر صاحب تفسير آيات الأحكام أن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا النسيئة ، وربا الفضل . فربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية لا يعرفون غيره وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا . فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا فإن تعذر الأداء زادوا في الحق والأجل .

وربا الفضل: أن يباع من الحنطة بمنوين منها أو درهم بدرهمين أو دينار بدينارين أو رطل من العسل برطلين ، وقد كان ابن عباس لا يحرم إلا القسم الأول ، وكان يجوز ربا الفضل اعتمادا على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنما الربا في النسيئة » (2) ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد » (3) وذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره رجع عن قوله .

وأما قوله عليه السلام: « وإنما الربا في النسيئة » (4) فمحمول على اختلاف الجنس ، فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين . أما (الأول) : فقد ثبت تحريمه بالقرآن ، (وأما الثاني) : فقد ثبت تحريمه بالخبر الصحيح . كما روي عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » (5) . واشتهرت روايته هذه حتى كانت مسلمة عند الجميع .

ثم اختلف العلماء بعد ذلك فقال نفاة القياس: إن الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: إن الحرمة غير مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل تتعداها إلى غيرها . وأن الحرمة ثبتت في هذه الستة لعلة ، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه تلك العلة ، ثم اختلفوا في هذه العلة . فقال الحنفية: إن العلة هي اتحاد هذه الأشياء الستة في الجنس والقدر- أي الكيل والوزن- فمتى اتحدت البلدان في الجنس والقدر حرم الربا كبيع الحنطة بالحنطة وإذا عدما معا حل التفاضل والنسيئة كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل . وإذا عدم القدر واتحد الجنس حل الفضل دون النسيئة كبيع عبد بعبدين ،

(1) أحكام القرآن للجصاص , ص 552 .

(2) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4581) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,سنن الدارمي البيوع (2580) .

(3) صحيح مسلم المساقاة (1588) ,سنن النسائي البيوع (4559) ,سنن ابن ماجه التجارات (2255) ,مسند أحمد بن حنبل (2/232) .

(4) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4581) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,مسند أحمد بن حنبل (5/200) .

(5) صحيح مسلم المساقاة (1587) ,سنن الترمذي البيوع (1240) ,سنن النسائي البيوع (4561) ,سنن أبو داود البيوع (3349) ,سنن ابن ماجه التجارات (2254) ,مسند أحمد بن حنبل (5/314) ,سنن الدارمي البيوع (2579) .

وإذا عدم الجنس واتحد القدر حل الفضل دون النسيئة أيضا كبيع الحنطة بالشعير .

وقال المالكية: إن العلة هي اتحاد الجنسين مع الاقتيات أو ما يصلح به الاقتيات . وقال الشافعية: إن العلة في الذهب والفضة هي اتحاد الجنس مع النقدية ، وفي الأشياء الأربعة الباقية اتحاد الجنس مع الطعم , والتفاضل في أمر الربا يعلم من كتب الفقه (1) .

(1) تفسير آيات الأحكام , ص 162 , 263

نوعية الربا كما أوضحها ابن القيم

وقفت في جملة ما وقفت عليه من المراجع على كتاب بعنوان: (الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام) لمؤلفه"حسن عبد الله الأمين"أورد فيه نص ابن قيم الجوزية رحمه الله عن نوعية الربا وقدم له بقوله:

تكلمنا فما سبق عن التقسيم الفقهي القديم للربا: ربا النسيئة ، وربا الفضل . . . وبقي هناك قسم ثالث للربا وضعه عالم جليل هو ابن القيم الجوزية وهو تقسيم يتفق في مضمونه مع تقسيم الربا: إلى ربا ديون ، وربا بيوع ولكنه يسمي الأول: الربا (الجلي) وأن تحريمه تحريم مقاصد ؛ لأنه ثابت بالقرآن الكريم وهو ما كانت تفعله الجاهلية . ويسمي النوع الثاني: الربا (الخفي) وأنه حرم سدا للذريعة من الربا الجلي فتحريمه تحريم وسيلة وهو الذي ثبت بالسنة في الأصناف الستة ، ثم ذكر النص من كتاب (إعلام الموقعين) فقال - أي ابن القيم -: الربا نوعان: جلي وخفي ؛ (فالجلي) : حرم لما فيه من الضرر العظيم ، (والخفي) : حرم لأنه ذريعة إلى الجلي . فتحريم الأول قصدا ، وتحريم الثاني وسيلة .

فأما الجلي: فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال . وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا (1) .

وأما ربا الفضل: فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء » (2) والرماء هو الربا . فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة ،

(1) إعلام الموقعين , ج2 ـ ص 99 .

(2) مسند أحمد بن حنبل (2/109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت