وهذا التفصيل في حكم النفع الذي يجره القرض من زيادة أو غيرها إذا بذل هذا النفع عند القضاء ، أما إذا بذل قبل القضاء بأن أهدى إليه هدية فلا يحل له قبولها مطلقا , قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (7) : فنهى النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء ؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك ولم يتكلم به فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة وهذا ربا , ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا , ومن لم ينظر إلى المقاصد في العقود أجاز مثل ذلك وخالف بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (8) ، وهذا أمر بين .
(1) الروضة الندية ص10 - 16 .
(2) الروضة الندية ص10 - 16 .
(3) صحيح البخاري الوكالة (2183) ,صحيح مسلم المساقاة (1601) ,سنن الترمذي البيوع (1316) ,سنن النسائي البيوع (4618) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2423) ,مسند أحمد بن حنبل (2/456) .
(4) الكافي لابن عبد البر ص727 - 728 .
(5) نيل الأوطار ص245 - 246 ج 2 .
(6) صحيح البخاري الصلاة (432) ,صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (715) ,سنن النسائي البيوع (4590) ,سنن أبو داود البيوع (3347) ,مسند أحمد بن حنبل (3/319) .
(7) الجزء الثالث من مجموع الفتاوى الكبرى ص244 .
(8) يُشِير إلى الحَديث الذي أَورَدْناه سَابِقًا في الفَقرة رقم (2 ) مِن أَدِلَّة تَحريم فَوائِد القَرض .
وقال ابن القيم (1) : فنهى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء , فإن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سدا لذريعة الربا .
ويفصل العلامة الشوكاني في ذلك فيقول: (2) والحاصل أن الهدية والعارية ونحوها إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين أو لأجل رشوة صاحب الدين أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم لأنه نوع من الربا أو رشوة , وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس , وإن لم يكن ذلك لغرض أصلا فالظاهر المنع لإطلاق النهي عن ذلك . ا ه .
وهذا التفصيل يشهد له ما جاء في الحديث السابق من قوله صلى الله عليه وسلم: إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك .
والحاصل أن النفع المبذول من المقترض للمقرض فيه التفصيل التالي:
1 -إن كان ذلك باشتراط فهو حرام مطلقا قبل الوفاء وبعده .
2 -إن كان بغير اشتراط جاز بعد الوفاء ولم يجز قبله إلا أن يكون الباعث عليه عادة جارية بينهما لا من أجل القرض , والله أعلم .
ويتعلق بمبحث ربا القرض مسألتان نص عليهما الفقهاء رحمهم الله:
1 -المسألة الأولى:
إذا أقرضه مبلغا ثم اشترى المقترض من المقرض شيئا واشترط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض ليأخذ غلة المبيع ونفعه ثم يرد المقترض القرض ويرد المقرض المبيع بالخيار ، فهذا البيع والشرط باطل لأنه من الحيل , قال في الإقناع وشرحه (3) : (وإن شرطه ) أي الخيار بائع (حيلة ، ليربح فيما أقرضه حرم نصا ) لأنه يتوصل به إلى قرض يجر نفعا (ولم يصح البيع لئلا يتخذ ذريعة للربا ) , وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه
(1) ص184 ج 3 من إعلام الموقعين .
(2) نيل الأوطار ص246 ج 5 .
(3) ج 3 ص163 , وانظر المغني 3 \ 592 - 593 .
الله - (1) لما سئل عن ذلك: ( إذا كان المقصود أن يأخذ أحدهما من الآخر دراهم وينتفع المعطي بعقار الآخر مدة مقام الدراهم في ذمته , فإذا أعاد الدراهم إليه أعاد إليه العقار فهذا حرام بلا ريب ) , وهذا دراهم بدراهم مثلها , ومنفعة الدار وهو الربا البين .
وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراما , وكذلك إذا تواطأ على ذلك في أصح قولي العلماء , وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » (2) , حرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين السلف والبيع لأنه إذا أقرضه وباعه حاباه في البيع لأجل القرض ، وكذلك إذا آجره وباعه وما يظهرونه من بيع الأمانة الذي يتفقون فيه على أنه إذا جاءه بالثمن أعاد إليه المبيع هو باطل باتفاق الأئمة سواء شرطه في العقد أو تواطأ عليه قبل العقد على أصح قولي العلماء , والواجب في مثل هذا أن يعاد العقار إلى ربه والمال إلى ربه ويعزر كل من الشخصين إن كانا علما بالتحريم . والقرض الذي يجر منفعة قد ثبت النهي عنه عن غير واحد من الصحابة الذين ذكرهم السائل وغيرهم كعبد الله بن سلام وأنس بن مالك وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى .
فشرط المنفعة في مقابلة القرض أو التواطؤ عليها من غير اشتراط ظاهر حرام , وكذلك الاحتيال على حصول هذه المنفعة كما في هذه المسألة وغيرها من الحيل حرام ، والله أعلم .
المسألة الثانية:
مسألة السفتجة: يتعلق بمبحث النفع الذي يجره القرض أيضا مسألة السفتجة المشهورة عند الفقهاء .
السفتجة بالسين المهملة والتاء وإسكان الفاء بينهما وبالجيم: كتاب يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر ليعطيه ما أقرضه , وهي لفظة أعجمية (3) ، قال في المغني (4) : وإن شرط أن يعطيه إياه (يعني القرض ) في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز ؛ لأنه زيادة , وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز , وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن علي
(1) مجموع الفتاوى 29 \ 333 -334 .
(2) سنن الترمذي البيوع (1234) ,سنن النسائي البيوع (4611) ,سنن أبو داود البيوع (3504) ,سنن ابن ماجه التجارات (2188) ,سنن الدارمي البيوع (2560) .
(3) تهذيب الأسماء واللغات 2 \ 149 .
(4) ج 4 ص354 -355 .
وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة . . ومالك والأوزاعي والشافعي ؛ لأنه قد يكون في ذلك زيادة , وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز , ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر . وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعا إلى أن قال: والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منها , والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها , ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص . ا ه .
وقال الشيخ تقي الدين (1) : إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر , والمقترض في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه ويكتب له (سفتجة ) أي ورقة إلى بلد المقترض فهذا يصح في أحد قولي العلماء , [ وقيل: نهي عنه لأنه قرض جر منفعة , والقرض إذا جر منفعة كان ربا , والصحيح الجواز ] لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد , وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض , والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم وإنما ينهى عما يضرهم . ا ه .
وبناء على ما اختاره هذان الإمامان من مذهب من يرى جواز هذه المعاملة يتضح أن التحويل عن طريق المصارف والبنوك من بلد إلى بلد عملية جائزة إذا خلت من أخذ المصرف أو البنك زيادة من العميل (2) , أما إذا أخذها فالمسألة موضع إشكال وتحتاج إلى دراسة متعمقة , والله أعلم .
(1) مجموع الفتاوى 29 \ 530 - 531 .