أنه رواية صحابي واحد , وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم ناطقة بمنع ربا الفضل , ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد عن الخطأ من رواية الواحد (4) .
(1) النووي في شرح صحيح مسلم ص25 ج 11 .
(2) أضواء البيان ص231 ج 1 .
(3) النووي في شرح مسلم .
(4) أضواء البيان ص236 ج 1 .
الجواب الخامس:
أن المعنى في قوله: لا ربا إلا في النسيئة , أي الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره , وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل (1) .
الجواب السادس:
أن إباحة ربا الفضل في حديث أسامة المذكور إنما هي بدلالة المفهوم , وتحريمه بالأحاديث الأخرى بدلالة المنطوق , ولا شك أن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم (2) .
هذا ما أجيب به عن حديث أسامة , وكل جواب منها يكفي بمفرده لرد الاستدلال به بحمد الله , ولكن كلما تكاثرت الأجوبة كان أقوى في الرد وأقطع لحجة الخصم .
وأما الإجابة عما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا بجواز ربا الفضل فهي أن يقال: إنما قالا ذلك باجتهادهما ثم لما بلغهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعه رجعا عن رأيهما (3) , فلم يبق أي شبهة في تحريم ربا الفضل , وصحت حكاية الإجماع على تحريمه كما سبق .
جودة أحد الجنسين الربويين على الآخر
(1) نيل الأوطار ص203 ج 5 .
(2) بمعناه من نيل الأوطار ص203 ج 5 .
(3) انظُر نيل الأوطار ص205 - 206 ج 5 ، وأَضواء البَيان للشّنقيطيّ ص238 - 240 ج 1 ، وفَتح البَارِي ص381 - 382 ج 4 .
هل جودة أحد الجنسين الربويين تبرر الزيادة من الجنس الرديء ؟
لا تكون جودة أحد الجنسين مبررة للزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر , والأصل في هذا حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا ؟ , قال: لا والله يا رسول
الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل - بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا » (1) .
والجنيب قيل هو الطيب , وقيل هو الذي أخرج من حشفه ورديئه , وقيل هو الذي لم يختلط بغيره (2) , وعلى كل التفاسير فالمراد به الجيد من التمر , والجمع تمر رديء أو هو الخليط من أنواع مختلفة (3) .
قال الشوكاني في نيل الأوطار (4) : والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلا , وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه ، انتهى , وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى الطريقة السليمة البعيدة عن الربا التي يسلكها من أراد أن يستبدل التمر الجيد بالتمر الرديء , وذلك بأن يبيع التمر الرديء بدراهم ويشتري بالدراهم تمرا جيدا , وهذه الطريقة تتبع في كل ربوي يراد استبداله بربوي أحسن منه ؛ لأن الجودة في أحد الجنسين لا تبرر الزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر والله أعلم .
إذا باع ربويا بثمن مؤجل فهل يجوز له أن يعتاض عن ذلك الثمن ربويا آخر ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (5) : (هذه فيها نزاع بين العلماء فمذهب الفقهاء السبعة ومالك وأحمد في المنصوص عليه(6) أن ذلك لا يجوز , فمن باع مالا ربويا كالحنطة والشعير وغيرهما إلى أجل لم يجز أن يعتاض عن ثمنه بحنطة أو شعير أو غير ذلك مما لا يباع به نسيئة ؛ لأن الثمن لم يقبض فكأنه قد باع حنطة أو شعيرا بحنطة أو شعير إلى أجل متفاضلا ) .
وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ، وقال أبو حنيفة والشافعي: (هذا يجوز وهو اختيار أبي محمد المقدسي من أصحاب أحمد ؛ لأن البائع إنما يستحق الثمن في ذمة المشتري وبه اشترى فأشبه ما لو قبضه ثم اشترى من غيره ) , وقد علل الشيخ المنع بأن الثمن لم يقبض
(1) صحيح البخاري البيوع (2089) ,صحيح مسلم المساقاة (1593) ,سنن النسائي البيوع (4553) ,سنن ابن ماجه التجارات (2256) ,مسند أحمد بن حنبل (3/60) ,موطأ مالك البيوع (1314) ,سنن الدارمي البيوع (2577) .
(2) فتح الباري 4 \ 400 .
(3) شرح النووي على صحيح مسلم 11 \ 21 .
(4) نيل الأوطار 5 \ 207 .
(5) مجموع الفتاوى 29 \ 448-449 .
(6) انظر كشاف القناع على متن الإقناع 3 \ 150 .
فكأنه قد باع الربوي بالربوي إلى أجل متفاضلا , وهذه الصورة لا تجوز بالإجماع فكذا ما شابهها وهي مسألتنا , وعلل صاحب الكشاف المنع بأنه ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة , ويكون الثمن المعوض عنه بينهما كالمعدوم لأنه لا أثر له (1) , والشيخ تقي الدين حكى الخلاف ولم يرجح ، ولكن مما لا شك فيه أن الخروج من الخلاف والاحتياط أمر مطلوب ومرغب فيه ، والله أعلم .
(1) الكشاف 3 \ 150 .
ربا القرض:
المشهور أن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا نسيئة وربا فضل , وبعضهم (1) يزيد قسما ثالثا هو ربا القرض المشروط فيه جر نفع ، قال ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر (1 \ 180 ) : لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل ؛ لأنه الذي فيه شرط يجر نفعا للمقرض , فكأنه أقرضه هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه . انتهى . ولعل وجهة من عده قسما مستقلا هي أن القرض عقد مستقل وله أحكام خاصة به .
(1) انظر مغني المحتاج (2 \ 21 ) .
وصفة ربا القرض:
أن يقرضه شيئا ويشترط عليه أن يرد أفضل منه , أو شرط عليه نفعا ما نحو أن يسكنه داره , وهو حرام إجماعا (1) لأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه , والدليل على تحريم ذلك:
1 -عموم نصوص الكتاب والسنة الواردة في النهي عن الربا وهذا منه .
2 -الحديث الوارد بخصوص المنع منه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك » , وما ورد بمعناه من الآثار التي تقويه عن جماعة من الصحابة (2) .
(1) المُبدِع ص209 ج 4 ، الزَّواجِر لابن حَجَر ص80 ج 1 ، والرَّوضَة النَّديِّة في الرَّد على مَن أَجاز المُعامَلات الرِّبويّة للشَّيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشَّيخ ص16 ضِمن مَجموعَة .
(2) انظر الروضة الندية للشيخ محمد بن إبراهيم .
ما جاء عن أعيان الصحابة في تحريمه ، وهم: عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وأبي بن كعب وابن عباس وفضالة بن عبيد رضي الله عنهم (1) .
3 -الإجماع وقد حكاه غير واحد (2) من العلماء .
فإذا كان النفع الذي يبذله المقترض للمقرض غير مشترط , فلا بأس به بدليل « أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ورد خيرا منه ، وقال: خيركم أحسنكم قضاء » (3) إلا أن الإمام مالكا كره أن يزيده في العدد , لا إن أعطاه أجود عينا وأرفع صفة , وأما أن يزيده في الكيل أو الوزن أو العدد فلا (4) .
وتعقب ذلك الإمام الشوكاني (5) فقال: ويرد عليهم (يعني المالكية ) « حديث جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي عليه دين فقضاني وزادني » (6) فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم زاده والظاهر أن الزيادة كانت في العدد , وقد ثبت في رواية البخاري أن الزيادة كانت قيراطا .