فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1226

وقد تقدم من آي الكتاب العزيز ، والسنة النبوية ما يشعر ويوجب تحريم الربا مما لا يدع مجالا للتردد في ذلك أو التأويل ولم يحرم الإسلام شيئا إلا لحكمة واضحة أو منفعة تعود على العباد وتبعا لتحريمه حرم الوسائل المفضية إليه سدا للذريعة ، فمثلا: حرم بيع العينة بكسر العين وفتح النون وهي: أن تباع سلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها البائع من المشتري بأقل ليبقى الكثير في ذمته ، وسميت عينة لحصول العين أي النقد فيها ؛ ولأنه يعود إلى

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 206)

البائع عين ماله ، واستدل لتحريم بيع العينة بالحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنن أبو داود البيوع (3462) ,مسند أحمد بن حنبل (2/84) . إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم .

ففي هذا الحديث دليل على تحريم هذا البيع ، وذهب إليه مالك وأحمد وبعض الشافعية قالوا: لما فيه من تفويت مقصد الشارع من المنع عن الربا وسد الذرائع ، قال القرطبي: لأن بعض صور هذا البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا سبل السلام , ج3 , ص 55 . . ا هـ . نعود إلى الحديث آنف الذكر سنن أبو داود البيوع (3462) ,مسند أحمد بن حنبل (2/84) . إذا تبايعتم بالعينة الحديث . لنكشف عن صحته وهل عليه مأخذ من حيث سنده يهبط به عن درجة الصحة .

يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة) :"هو حديث صحيح لمجموع طرقه وقد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا ، الأولى: عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: فذكره- أي الحديث - إلى أن قال- أي الشيخ الألباني -: روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر يشير بذلك إلى تقوية الحديث ، وقد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما وهو الطريق الثانية: عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أخرجه أحمد ، الثالثة: عن شهر بن حوشب عن ابن عمر رواه أحمد ."

ثم وجدنا له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكره- أي الحديث ، أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من (الكامل) وهو غير معروف ، في حديثه بعض النكارة ، وقال الذهبي ولم يترك سلسلة الأحاديث الصحيحة , ج1 , ص15ـ 16 . . وجاء في (معالم السنن) توجيه الخطابي لوجهة نظر المحرمين للعينة ، قال المحرمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه , أحدها: أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إليه بل هي من أقرب وسائله ، والوسيلة إلى الحرام حرام ، فهنا مقامان أحدهما: بيان كونها وسيلة ، والثاني: بيان الوسيلة إلى الحرام حرام ، فأما الأول فيشهد له النقل والعرف والنية

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 207)

والقصد وحال المتعاقدين ثم أورد جملة أحاديث تصور البيع بالعينة إلى أن قال: وأما شهادة العرف بذلك فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير بل قد علم الله وعباده من المتبايعين قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها , ولا غرض لهما فيها بحال وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول ، مائة بمائة وعشرين وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث ، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه بل جيء به لمعنى في غيره ، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد لأنهم لا غرض لهم فيها ، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا . وأما النية والقصد فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محلالا لما حرم الله ورسوله .

وأما المقام الثاني وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ، فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول ، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة كما تقدم ، وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل . والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام , وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو أكبر من الكبائر فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا . وإنما قصده حقيقة الربا .

وأيضا فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بأختها أصلا ؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين ، فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه ، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما . والثاني باطل قطعا فتعين الأول ، وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا لأن فيه أعظم الفساد والضرر فلا يتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل مختصر سنن أبي دواد , ج 5 ص (100, 101, 102 ) . ا هـ .

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 208)

ولشيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله - جملة فتاوى في مسألة بيع العينة منها: أنه سئل عن رجل طلب من إنسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتي درهم فباعه فرسا أو قماشا بألف درهم واشتراه منه بألف ومائتي درهم إلى أجل معلوم .

فأجاب: لا يحل له بذلك بل هو ربا باتفاق الصحابة والعلماء ، كما دلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . سئل ابن عباس رضي الله عنه عن رجل باع حريرة تم ابتاعها لأجل زيادة درهم فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة ، وسئل عن ذلك أنس بن مالك فقال: هذا مما حرم الله ورسوله . وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم في نحو ذلك: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسوله الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . فمتى كان المقصود المتعامل دراهم بدراهم إلى أجل ، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت