فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 1226

المواطن الربوية في عمليات تبادل العملات الورقية:

أصبح التعامل بالعملات شراءً وبيعًا أسلوبًا من أساليب الحصول على الأرباح، وبالتالي: ظهرت صناديق خاصة في البنوك تتولى التعامل بها في سوق العملات في أوروبا وأمريكا، وتحولت النقود إلى سلع يتم الاتجار بها، واعتبر الاتجار فيها من الأمور التي تزاولها بعض البنوك الإسلامية كوسيلة لتحقيق الأرباح لعملائها المودعين لديها بدلًا من أخذ الفائدة الربوية.

يأخذ أسلوب الاتجار بالعملات صورًا متعددة، وقبل مناقشة مواطن الربا في هذه الصور والتعامل لا بد من مناقشة المبدأ الأساس، وهو: هل يجوز الاتجار بالعملات شراءً وبيعًا؟... تختلف الآراء حول ذلك: فمن مجيز للاتجار فيها إذا تحقق التقابض في مجلس العقد، وذلك بالخصم من حسابات المتاجرة بالعملات لدى السمسار الذي يتولى إجراء عمليات البيع والشراء نيابة عن المُتاجِر (قد يكون السمسار بنكًا أو مؤسسة أو فردًا يقوم بهذا العمل) وفق شروط وقواعد تحدد من يقوم باتخاذ قرار البيع والشراء سواء أكان السمسار باعتباره وكيلًا مفوضًا من قبل المتاجر في العملات، أو تلقي التعليمات الخاصة بإنفاذ البيع والشراء من قبل المتاجر وفق إجراءات معينة.

يقوم السمسار بعمليات الاتصال بمندوبيه في أسواق العملات العالمية بإنفاذ التعليمات الخاصة بالشراء أو البيع لصالح عملائه، وقيدها بالإضافة أو الخصم على حسابه لدى مندوبيه في تلك الأسواق، ويتحقق شرط التقابض من خلال القيد على الحسابات المختلفة باعتبار أن قيد الإضافة والخصم يماثل عمليات التقابض المادي للعملات؛ لهذا: فإن بعض البنوك الإسلامية تزاول نشاط الاتجار في بيع وشراء العملات وفق هذا الأسلوب، باعتبار أنه أسلوب من الأساليب الجائزة لتحقق شرط التقابض، وبالتالي: انتفاء الربا من هذا الأسلوب واعتباره قناة من قنوات استغلال المدخرات واستثمارها.

إن الحرمة لهذا التعامل كما أراها لا تقوم على أساس تغير وسيلة التقابض في مجلس العقد، حيث تبدل أسلوب التقابض وطبيعة مجلس العقد؛ فقد أصبح مجلس العقد يتم من خلال وسائل الاتصال الحديثة التي سهلت ووسعت نطاق مجلس العقد من خلال التخاطب بالتهاتف والفاكس والحاسب الآلي، أي: أصبحت الأسواق متقاربة وكأنها في مكان واحد، وأصبح حلول القيد على الحسابات المختلفة، بديلًا عن التقابض المادي والحصول على التفويض والالتزام بذلك باستخدام هذه الوسائل الحديثة.

إن الحرمة تأخذ جانبًا آخر، وهو: تغير طبيعة وظيفة النقود، فالنقود ليست سلعة يتجر فيها مثل بقية السلع، وخاصة النقود الورقية التي لا يمكن تحويلها إلى سلعة اقتصادية مثل الذهب والفضة اللذين يمكن شراؤهما كسلع لاستخدامهما موادًّا أولية لصناعات مختلفة، وبالتالي: الخروج بالنقود عن طبيعتها التي جعلت لها، والتي من أجلها تم قبولها، وهي: أنها أداة للدفع ووسيلة للتبادل، وقد سبق أن أوضحنا وجهة نظر الإمام ابن القيم واستشهادنا بقوله.

إن التحليل والمنطقية التي وصل إليها ابن القيم (رحمه الله) فيما يتعلق بالنقود، والتي حددت مشكلة النظرية النقدية المعاصرة في أن الاتجار في العملات هو العلة في اضطراب أسواق النقد العالمية؛ حيث إن الاتجار بالعملات قد أفسد عملية التبادل التجاري، وألحق الضرر بالتبادل من خلال اضطراب أسعار السلع العالمية، فأصبحت العملات تخضع لتقلبات قانون العرض والطلب؛ مما أثر على أسعار السلع؛ فالتاجر الذي يرغب في شراء أي عملة بقصد الاستيراد لسلعة معينة من أي بلد سيتأثر بالتذبذب في أسعار العملات التي يود الاستيراد بواسطتها من خلال عمليات المضاربة في العملات، حيث إن العرض والطلب على العملات غير حقيقي، حيث تتم المضاربة فيها والاتجار فيها بيعًا وشراءً، ليس بقصد شرائها لذاتها لتحقيق الوظيفة الأساسية للنقود... وهذا يؤدي إلى مفسدة وإضرار بالناس، كما قال ابن القيم، حيث قال: (وسر المسألة: أنهم مُنعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها؛ فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها، ولهذا قال:(تبرها وعينها سواء) فظهرت حكمة تحريم ربا النَّساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد) (11) وفي موضع آخر أورد (رحمه الله) مناقشة لطيفة خاصة عن استعمال المادة المضروبة منها العملة المعدنية لأغراض أخرى غير غرض النقد، تدل على مدى عمق فهمه لمفهوم النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، مع معالجته لازدواجية استخدام معدن الذهب لأغراض صناعية وكأداة للنقد، يقول (رحمه الله) : (إن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وسائر السلع وإن كانت من غير جنسها؛ فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها(إما أن تقضي، وإما أن تربي) إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل) (12) ، ومن هذا النص ندرك: أنه يجوز شراء الحلي المصنوعة من مادة العملة المعدنية، ولو تفاضلت من حيث اختلاف الوزن ما بين وزن الحلي ووزن العملة المعدنية، إذا تم التقابض يدًا بيد في مجلس العقد مثل بيع الذهب بالفضة.

وعلى ضوء ما سبق: فإن الاتجار في العملات بيعًا وشراءً بقصد الربح، وليس بقصد استخدامها من أجل تمويل الاستيراد والتجارة في السلع: مكروه، وقد يصل إلى الحرمة؛ للأمور التالية:

1-التوسع في البيع والشراء في أسواق العملات العالمية أدى إلى هروب أموال المسلمين إلى الدول الكافرة، وهذا الاتجار لا يهدف إلى الحصول على سلع وخدمات يحتاجها المسلمون، ولكنه بقصد المضاربة لتحقيق الربح؛ مما أدى إلى ضياع فرصة الاستفادة من هذه المدخرات التي يتم استخدامها في الاتجار في العملات الأجنبية، والقاعدة الشرعية تقول: عند اجتماع المصالح مع المفاسد، فإذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة: درأنا المفسدة، ولو تأتى ذلك بفوات المصلحة، والمصلحة الفائتة هي ما يمكن أن يحققه المتاجر في العملات في أسواق العملات الأجنبية من أرباح، لكن مفسدة تسرب أموال المسلمين من بلاد المسلمين وعدم استغلالها فيما فيه منفعة ومصلحة للاقتصاد يحقق مفسدة أكبر من المصلحة التي قد يحققها المتاجر في العملات، يقول (تعالى) : (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) ) [البقرة: 219] فحرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما.

2-أن خروج الأموال من بلاد المسلمين بقصد الاتجار بالعملات الأجنبية للدول الكافرة يحدث أضرارًا بميزان المدفوعات للبلاد الإسلامية؛ حيث إن هذا الخروج لا يقابله سلع ولا خدمات تفيد اقتصاد الدول الإسلامية، بل إن ذلك يمثل تهريبًا لفائض الإنتاج المحلي وضخه لصالح القوى الأجنبية، وفي هذا تعاون على الإثم بإضعاف اقتصاديات الدول الإسلامية وحرمانها من الأموال التي يمكن لو تم استثمارها في مجالات إنتاجية أن تزيد الناتج القومي وتسهم في تشغيل القوى العاملة العاطلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت