فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 1226

ويتولى ابن القيم (رحمه الله) في كتابه (إعلام الموقعين) إيضاح طبيعة النقود ودورها بشكل جلي، وبمنطق اقتصادي سليم، عند تحديد علة الربا بالنسبة للذهب والفضة باعتبار أنهما الوسيلتان المستخدمتان في التبادل، يقول: (...العلة فيهما(الدراهم والدنانير) : الثمنية، وهذا: قول الشافعي، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح، بل الصواب... فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار، به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة؛ وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلف ويشتد الضرر... فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل: أن يعطى صحاحًا ويأخذ مكسرة، أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها: لصارت متجرًا، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا لأعيانها: فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات) (7) .

من خلال هذه المناقشة التي أوردها ابن القيم (رحمه الله) يتضح دور النقود؛ حيث يجب أن يقتصر على أن تكون أداة لتحديد قيم الأشياء؛ وبالتالي: فلا يجوز أن تستخدم النقود سلعًا يتجر بها، وبهذا: فإن ما يتم من مضاربات في سوق العملات يجعل النقود سلعًا تُعد للربح، حيث نتج عن ذلك أضرار كبيرة كما هو مشاهد في الواقع المعاصر، فيما يتعلق بتذبذب أسعار العملات، واتجاه كثير من فوائض الأموال إلى الاتجار فيها بدلًًا من الاستثمار في المشروعات الإنتاجية.

على ضوء ما سبق يمكن القول: إن الشرع الإسلامي لا يشترط شكلًا معينًا، أو مادة معينة للأداة النقدية؛ فقد تكون مسكوكات ذهبية، أو فضية، أو نحاسية، أو أي نوع من المعادن، أو ورقية، وتعتبر نقودًا إذا توفرت فيها العناصر التي أشار إليها ابن القيم، وهي:

1-اعتبار النقد أداة للدفع ووسيلة للتبادل للسلع والمنافع.

2-اعتباره أداة لتقييم الأشياء ومعرفة أثمان المبيعات.

3-ثبات قيمة الوسيلة التي تستخدم لتقييم الأشياء وثبات معيارها، بحيث لا ترتفع ولا تنخفض.

4-عدم الاتجار بها، أي: عدم اعتبارها سلعة يتجر بها.

ووفقًا لهذه الضوابط: فإن النظرية النقدية كما توصل إليها ابن القيم تتفق في بعض جوانبها مع ما تم التوصل إليه في هذا العصر في ظل ما عرف بقاعدة النقد الورقية، حيث انفصلت القيمة الاقتصادية للنقود عن أي قيمة اقتصادية لأي سلعة مادية معينة، وبالتالي: فإن هذه القاعدة تتمثل في مجموعة الشروط والقيود التنظيمية التي تضعها الدول لإصدار النقود الورقية وما تطور من وسائل في التداول النقدي، وهو ما عرف بالنقود الائتمانية، ومن هذا يتضح: أن وجهه نظر ابن القيم تختلف عما هو متعارف عليه في العصر الحاضر؛ فابن القيم يرى عدم جواز الاتجار في النقود؛ بخلاف النظام النقدي المعاصر الذي يقوم على اعتبار النقود سلعة مثل باقي السلع لها قيمة ذاتية تتمثل في قيمة الزمن، الذي يقوم على فكرة الربا؛ حيث إن العلة في التذبذب في أسعار العملات في السوق المالية العالمية يعود فيما أظنه إلى نقص الضوابط الخاصة بالنقود حسب ما أشار إليها ابن القيم، ومنها منع الاتجار بالنقود.

على ضوء ما سبق من تحديد لمفهوم النقد عند ابن القيم وغيره من فقهاء المسلمين: فما هو الموقف تجاه النقود الورقية من حيث شرعيتها ومدى جريان الحكم الشرعي للذهب والفضة عليها، بعد أن أصبح التعامل بالذهب والفضة مستحيلًا؛ لاتساع وكبر حجم التبادل السلعي والخدمي بين أفراد المجتمع؟.

إن الإجابة على هذا التساؤل ترتبط وفق ما سبق مناقشته بأن استخدام معدني الذهب والفضة وسيلةً للتبادل وإبراء الذمة، وارتباط علة الربا بالنسبة للذهب والفضة بالثمنية، وأن قيام الأوراق النقدية مقام الذهب والفضة يؤدي إلى سريان العلة عليها، وبالتالي: سريان الأحكام المترتبة على الذهب والفضة عليها، باعتبار أن العملات هي أجناس؛ حيث إن الذهب جنس والفضة جنس، وأن العلة الجامعة بين الذهب والفضة في أحكام الصرف هي الثمنية، وبالتالي: سريان هذه العلة على النقود الورقية لاعتبارين:

1-اجتماع طبيعة الجانب المادي من حيث إن المادة للعملات الورقية هي الورق، بينما الجامع للذهب والفضة مادة المعدن.

2-اجتماع علة الثمنية بعين الذهب والفضة، وهذا يسري على العملات الورقية المختلفة لمختلف الدول.

على ضوء هذا: تصبح العملات الورقية أجناس بتعدد جهات إصدارها، فالنقد الأمريكي مثلًا جنس، والنقد السعودي جنس... وهكذا، وقد أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية بأن العملات الورقية أجناس (8) .

حيث نص على جريان الربا بنوعيه (الفضل والنساء) في العملات الورقية، كما يجري الربا بنوعيه في النقود المسبوكة من الذهب والفضة وغيرها من المعادن كالفلوس، وقد أيد المجمع الفقهي الإسلامي هذه الفتوى (9) .

على ضوء هذا: فإن عمليات الصرف الحاضر بين العملات المختلفة جائزة عند توفر شرطي الحلول والتقابض، أي: جواز شراء الدولار الأمريكي بسعر ثلاثة ريالات ونصف أو أكثر أو أقل، بشرط التقابض بسعر اليوم، استنادًا إلى حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (كنت أبيع الإبل بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك، أسألك: إنى أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها؛ ما لم تفترقا وبينكما شيء) (10) فالواضح من هذا الحديث: أن التصارف الجاري فيه تقابض بمظهره الشكلي على أساس الحق القائم بهيئة دنانير في الذمة بتسديده بما يساويه من دراهم بسعر ذلك اليوم.

وعليه: فما هو حكم التعامل العملي الذي يحدث في البنوك من حيث أسلوب التصارف؟، فمن المعروف أن عملية الصرف: إما أن تكون من خلال الصندوق، أو بالقيد على حساب العميل، وما يرتبط بذلك أيضًا من عملية البيع والشراء بالعملات من خلال أسواق العملات العالمية. فما هي مواطن الربا على ضوء هذا الواقع؟.

أما بالنسبة للدفع والأخذ من البنك مباشرة بتبادل عملة ورقية مقابل شراء عملة أخرى: فلا إشكال فيه من ناحية توافر شرط التقابض؛ حيث يسلم الراغب في الشراء النقود المحلية، ويتسلم العملة الأخرى، فهذا تقابض حال ومنجز، أما إذا كان دفع العملة من حساب الشخص في البنك نفسه بخصم قيمة العملة المشتراة من حساب المشتري لدى البنك، وحيث إن البنك يتعامل مع الحساب المفتوح لديه من قبل المشتري على أساس أنه وكيل له الحق بالدفع والإضافة عند ورود تعميد من صاحب الحساب، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يتوفر في هذا الأسلوب أساس التقابض؛ حيث إن البنك يتسلم ما يقابل قيمة العملة المشتراة من حسابه المودع لدى البنك، وهذا المال هو وديعة محفوظة لديه وهو مفوض بالتصرف فيها مع ضمانها للمودع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت