وفي هذا السياق أيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، ويستغنى به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول"، والنبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الإنفاق في سبيل الحاجة، مصداقا لقول الله تعالى:"وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ"، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه الفقير (أبا ذر) الذي كان يتزعم حركة إصلاحية كبيرة حتى اشتهر بمحامي الفقراء قائلا له:"أبا ذر إذا طبخت فأكثر المرق، وتعاهد جيرانك".
وكذلك يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتصاد، والإبقاء على ما يغني الأهل عن تكفف الناس.. يقول صلى الله عليه وسلم:"إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
ويمتدح النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه عرفوا بمظهر من مظاهر الاقتصاد والتعاون والتنمية، وهم الاشعريون، حيث يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزوة، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم".
تكافل اجتماعي
ومن أروع الأحاديث التي تتصل بموضوع الاقتصاد والتكافل الاجتماعي قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأى أصحابه أنه لا حق لأحد منهم في فضل".
ولما كانت التجارة هي أوسع أبواب الرزق، وكان التجار أقرب من الزراع والصناع في مجال الثراء الفاحش، وما يؤدي إليه من ترف وجشع فلهذا خصص الرسول التجارة والتجار بعدد من التوجيهات النبوية الكريمة.
فانطلاقا من الوحي الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجه نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم الأوضاع الجاهلية الفاسدة في عالم الاقتصاد.. سواء كانت هذه الأوضاع عادات وتقاليد فاسدة، أم كانت نظما ترسخ وأصبحت قوانين سائدة.
وبينما نجح الرسول الكريم عليه السلام _ بالقول والفعل _ في القضاء على نزعة احتقار الزراعات والمهن والحرف، واحتقار القائمين بها.. كذلك نجح الرسول بالقول والفعل ومن خلال النظم المقررة في دولة المدينة التي كان الرسول قائدها وقاضيها ومعلمها _ في القضاء على الظواهر التجارية المدمرة للمجتمع، التي يلجأ إليها اليهود لامتصاص ثروة المجتمع الإسلامي دون عمل أو كدح أو مغامرة وحتى العباس عم النبي كان (صاحب ربا) في الجاهلية، فوضعه الرسول، وقال:"ألا إن كل ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع هو ربا عمي العباس.. (كما ورد في خطبة الوداع) ."
كما أن الرسول حث التجار على التسامح في قوله:"رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى".. وهذا يعني _ ضمنا _ التجاوز عن المعسرين، والإرجاء في الدين إلى ميسرة وإبطال ما كان معروفا عند العرب من أن الدائن يأخذ من المدين عند تعذر قضائه لدينه عبدا، أو ولدا من أولاده، حتى يقضي ما عليه.
وحتى لا تصبح الحركة التجارية عرضة لتقلبات النفوس والأهواء أمر الرسول بكتابة الديون في صكوك.. وكان الرسول يأمر بأن يكتب ما يبيعه ويشتريه.
وكذلك حث الرسول على الصدق في التجارة، وبين أن البركة في هذا الصدق، فقال:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وان كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، وقد نهى الرسول عن الغش، فقال:"من غشنا فليس منا"، كما نهى الرسول عن الحلف لترويج السلعة، فقال:"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وذكر منهم المنفق سلعته بالحلف الكاذب".
وقد منع الإسلام الاتجار بالأشياء المحرمة كالخنزير أو الخمر فعن أبي سعيد الخدري قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت سورة المائدة سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عنه وقلت إنه ليتيم فقال:"أهريقوه"، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار فقال:"لا يحتكر إلا خاطئ".
وقد نهى الإسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مخافة أن يقع ظلم على المشتري.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان والشراء منهم حتى يصلوا السوق، فقد ورد عن نافع عن عبد الله بن عمر _ رضي الله عنهما _ أنه قال:"كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به السوق".
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراقب الأسواق ويوجه إلى التخلص من أية سلبيات تظهر فيها، فالرسول _ عمليا _ كان أول محتسب وإمام المحتسبين في تاريخ الإسلام.
تعاون اقتصادي وإنساني
في الفترة المكية لم تكن هناك فرصة أمام المسلمين _ وهم أفراد مبعثرون مضطهدون _ للتفكير في إقامة كيان اقتصادي، وكان حسبهم في تلك الفترة أن يتعاونوا على توفير الحد الأدنى من التكافل الاجتماعي القائم على التعاون الاقتصادي والإنساني، وفي هذه المرحلة قام رجل مثل أبي بكر الصديق بشراء بعض المسلمين من العبيد وتحريرهم، ثم رعايتهم بعد ذلك.
وليس لدينا وثائق تدل على ممارسة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، ولا المسلمين المضطهدين في مكة لأية نشاطات تسمح لهم بأن يشكلوا كيانا اقتصاديا متميزا، بل إننا لنعرف أن أثرياء المسلمين وتجارهم مثل خديجة _ أم المؤمنين _ ومثل أبي بكر الصديق _ رضي الله عنهما _ قد تعرضوا لضغوط اقتصادية كثيرة، ولعل الحصار الذي فرض عليهم في شعب أبي طالب _ والذي كان من بنوده ألا يشتري منهم ولا يباع لهم _ من أقوى الأدلة على وجود روح عامة كانت تفرض عليهم حصارا اقتصاديا طيلة العصر المكي بدرجات متفاوتة.
ولم يقف ظلم قريش عند هذا الحد الذي يتجاهل أبسط حقوق الإنسان، بل إنها أقدمت على خطوة لم تمارسها إلا أبشع النظم الاشتراكية والشيوعية، وهذه الخطوة تقوم على مصادرة أملاك المسلمين وأموالهم التي يعجزون عن الهروب بها فرارا بدينهم، فمن المعروف أن المسلمين كانوا يتركون مكة وطنهم أفرادا مختفين في جنح الظلام، وفي هذه الحالات يصعب حمل أشياء من الأملاك الثقيلة، مكتفين بالحاجات الأساسية التي لابد منها في الطريق.
فلما هاجر معظم المسلمين متجرعين آلام الهجرة لأوطانهم ومساكنهم وبعض ذويهم اتخذ المشركون القرشيون قرارهم بمصادرة أموال المسلمين وأملاكهم، وتقسيمها فيما بينهم وكأن أصحابها هلكوا.
وكان من نتائج هذا القرار الجائز أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة منتصرا بعد الهجرة بثماني سنوات سأله أسامة بن زيد قائلا: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم:"وهل ترك لنا عقيل منزلا"، (وعقيل هذا هو أكبر أولاد عم الرسول _ أبي طالب _ ومع ذلك فقد عادى الرسول صلى الله عليه وسلم ووضع يده على أملاك الرسول وكأنه هو وارثه) .. وعلى هذا تم تقسيم أملاك المهاجرين من مكة.
قيادة حكيمة