فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 1226

لكن الحدث التجاري الفاصل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقع حين لجأت خديجة إلى محمد بن عبد الله تستأجره ليضارب في مالها بعد أن بلغها الكثير من صدق حديثه وأيضا لأمانته وكرم أخلاقه، فلهذا عرضت عليه _كما يقول ابن إسحاق _ أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يسمى ميسرة، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وخرج في مالها ومع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، فاشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة الذي حكى عن أمانته وتوفيق الله له ما شاء أن يحكي، ورأت خديجة أيضا أن أرباحها ضوعفت فرغبت فيه زوجا، وكانت أسن منه، وكانت أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو قدروا عليه، وكانت له نعم الزوج.

سمعة تجارية طيبة

إننا نستخلص من تحليلنا لسلوك الرسول صلى الله عليه وسلم التجاري والاقتصادي أنه صلى الله عليه وسلم تعلم التجارة منذ الصغر، وان سمعته التجارية الطيبة ولقبه الأمين جعلا السيدة خديجة تختاره للتجارة أولا، ثم تختاره زوجا ثانيا، فأمانة الإنسان سبيل نجاحه وهي أهم رأس مال يستثمره الإنسان في التجارة، فإذا اجتمع مع الأمانة الصدق _ كما اجتمع للرسول صلى الله عليه وسلم _ توافرت الأرضية التجارية السليمة، فإذا أضفنا إلى ذلك ذكاء الرسول صلى الله عليه وسلم وقوته ومهارته، أي جمعه صلى الله عليه وسلم بين القوة والأمانة والصدق، تحقق النموذج المثالي الذي يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:"إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ".

ومما نستخلصه من هذا التحليل أيضا: الإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب المثل بنفسه على أهمية العمل، وها هو أمامنا قد عمل قبل الرسالة في الرعي والتجارة، وها هو بعد الرسالة يعمل في بناء المساجد، وفي حفر الخندق وفي جمع الحطب، ويعمل في خدمة أهله.

وبما أننا نميل إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له نوع إشراف على تجارة خديجة بعد زواجه منها، وأنه لابد أن يكون له حضوره _ إشرافا وتوجيها ومراقبة _ فلهذا نؤمن بأن خبرة الرسول صلى الله عليه وسلم التجارية المستمرة في مكة قد أعانته كثيرا على تنظيم الشئون الاقتصادية والتجارية، بل إنه أظهر عبقرية في معالجة بعض الأزمات الاقتصادية، ونحن نعد إنشاءه الأسواق خاصة في المدينة في مواقع متميزة من الأدلة على ذلك.

كما أننا نعد تنظيمه صلى الله عليه وسلم لأسلوب التكافل الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع المدينة الناشئ _ الذي يضم أصحاب البلد بثرواتهم ووافدين بلا ثروات وليس لهم إلا خبراتهم السابقة _ من أقوى الأدلة على عبقريته الاقتصادية، يضاف إلى ذلك تقديره لقيمة العمل الحرفي واليدوي (الزراعي والصناعي) وفسحه المجال أمام المرأة المسلمة ليكون لها حضورها في بناء الاقتصاد الإسلامي.. إنه الوحي الصادق.. مع العقل الواعي.. ومع الخلق الزكي الراقي!!

خصائص الاقتصاد الإسلامي

إن من خصائص الاقتصاد الإسلامي التي تتفرد بها نظرته هي أن الملك كله والمال كله لله سبحانه وتعالى، وليس للإنسان من الاستخلاف في هذا المال إلا ما يجنيه _ بعمله وسعيه _ من صالح الأعمال المادية والمعنوية الدنيوية والأخروية.

كما أن من خصائصه وجود حق معلوم في المال لغير مالكه، فالمال في المفهوم الإسلامي هو مال الله، والناس مستخلفون فيه، وعليهم رعاية الفقراء (عيال الله) على أساس انهم مجرد وكلاء لله.

ويضاف إلى هذه الخصائص مشروعية المال وحله، ووضعه في محله المشروع أيضا، فلا يعد في الإسلام ملكا مشروعا إلا إذا كان مصدره حلالا، وينفق في الوجوه المشروعة.

وقد أظهر الرسول اهتمامه بسيادة هذا المفهوم الإسلامي العادل المتوازن منذ استقرت له الأمور في المدينة، فقد روى الطبري عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله:"وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ"، فأحسنوا الكيل، وذلك أن الرسول كان كثيرا ما يخرج إلى الأسواق ويقرأ هذه الآية وما بعدها على التجار، وهم يزاولون البيع والشراء.

والحق أن للمال والاقتصاد مكانة متميزة في الإسلام غير أن هذه المكانة لا تجعلهما هدفا للحياة ولا مقياسا للرقي _ إذا وقفا وحدهما _ فلهما حد معلوم، ويجب أن يكونا وسيلة لا غاية وأن يؤمن المسلم _ كما رباه الرسول _ بأن القيم والمعاني الأخرى لا تنفصل عن المادة.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غني النفس"، ويوضح الرسول صلى الله عليه وسلم معنى الإفلاس، وأنه تجرد الإنسان من الأخلاق الحسنة.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أتدرون من المفلس؟"قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال:"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".

وهناك حديث أخر يؤكد أن الغنى في نفسه خير، وأنه لا يأتي بالشر، ولكن الشر مصدره الشر المستكن في النفوس الوضيعة المادية حتى وان كانت تملك أعراضا كثيرة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض"، قيل: وما بركات الأرض؟، قال:"زهرة الدنيا"، فقال رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه، ثم جعل يسمح على جبينه، فقال:"أين السائل"؟ قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدنا حين طلع ذلك، قال:"لا يأتي الخير إلا بالخير".

أسباب الغنى الشامل

من أجمع الأحاديث وأشهرها على ألسنة الناس في باب القناعة والصبر الذي لا يمنع من الأخذ بالأسباب قوله عليه السلام:"من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"، وهذا الحديث بالإضافة إلى أنه يقنع النفس بالقليل، هو أيضا يحذر من أن يسأل الإنسان الناس وعنده حظه من الأمن والمعافاة والقوت.

وخشية أن يفهم هذا الحديث وأمثاله على غير حقيقته يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمر جهنم فليستقل منه أو ليستكثر"، ويحدد النبي صلى الله عليه وسلم القدر الذي لا يحل للمرء أن يسأل الناس بعده شيئا:"من سأل الناس وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم"، قالوا وما يغنيه؟، قال:"قدر ما يغذيه ويعشيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على أسباب الغنى الشامل فيقول:"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت