أمة الإسلام: الربا حرام كله ، قليله وكثيره ، قال تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا"، وقال صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات ، وذكر منها ، وأكل الربا" [ متفق عليه ] ، الربا حرب لله ولرسوله ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله"، والعجيب والعجائب جمة ، أن من الناس من يأكل الربا عالمًا بحرمته ، عارفًا بعقوبته ، متذرعًا برحمة الله ومغفرته ، ونسي المسكين أن الله جل جلاله يقول في كتابه العزيز:"اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم"، ويقول سبحانه:"وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب"، الربا دمار للأفراد والشعوب ، وإشعال لفتيل الحروب ، الربا هلاك للأمم والمجتمعات ، صغار وذلة للمتعاملين به ، ولا أدل على ذلك من هذه النكبات التي حطت رحالها بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، من حروب مدمرة ، وفيضانات عارمة ، وكسوف وخسوف ، ورياح عاتية ، وقتل وسرقات ، وجرائم واغتيالات ، ونهب للممتلكات ، كوارث وحوادث ، ليس لها من دون الله كاشفة ، ولا منجي منها إلا بتوبة صادقة ، ورجوع إلى الله الواحد القهار .
أيها المسلمون: في خضم معترك هذه الحياة ، وفي بحرها المتلاطم الأمواج ، هناك فئة من المسلمين ، تجرءوا على الحرمات ، وارتكبوا المنهيات ، دون ورع ولا خوف ، فأكلوا الربا ، ودعوا الناس إلى أكله ، مجاهرين بالمعصية ، وقد توعدهم الله بعقاب من عنده ، على لسان نبيه ، فقال صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"قيل: ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال:"من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى" [ أخرجه البخاري ] ، ومن تعامل بالربا فقد خالف أمر الله وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعصى الأوامر ، واقترف الزواجر ، وقد قال الله تعالى:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"، وقد بين الله تعالى مآل العصاة والمذنبين ، والمتعاملين بالربا ، والآكلين له ، فقال تعالى:"ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين"، إن أمرًا هذه نهايته ، وتلكم عاقبته لواجب على كل عاقل أن يجتنبه ويحذره ، ويحذر الناس من خطره وشره ، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا ظهر الزنا والربا في قرية ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" [ أخرجه الحاكم وحسنه الألباني ] .
أيها المسلمون: آكل الربا لا يستجاب لدعائه إذا دعا ، ولا تفتح له أبواب السماء ، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك" [ أخرجه مسلم في صحيحه ] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم حرام ، فإذ ذاك لا تجاب لهم دعوة" [ أخرجه البخاري ] ، فالربا شؤم على صاحبه ، ظلم للمتعامل به ، فيه ارتكاب لما حرم الله ورسوله ، وربما سلط الله على صاحبه الآفات المهلكة ، والكوارث المدمرة ، من غرق أو حرق أو لصوص أو أنظمة جائرة تذهب به جميعه ، وكم رأى الناس وعاينوا ، وشاهدوا وباينوا ، عاقبة الربا على أصحابه ، فكم من الأثرياء المرابين ، والأغنياء المحاربين ، الذين محق الله ما بأيديهم ، حيث علقتهم الديون ، فأخذهم الله بعذاب الهون ، فصاروا عالة على الناس يتكففون ، وصدق الله العظيم القائل:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا"، وصدق عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، القائل في الحديث الصحيح:"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة" [ أخرجه ابن ماجة والحاكم وصححه الألباني 2 / 28 ] ."
أمة الإسلام: للربا أثار مخيفة ، وعواقب عنيفة ، منها ما تم بيانه ، ومنها: أن الربا سبب لظهور الأمراض المستعصية ، وكثرة الأدواء والأوبئة ، وتسلط الحكام ، وانتشار الفقر والبطالة ، وكثرة الجريمة ، وشيوع الفساد في البلاد بين العباد ، وهذا ما تعانيه الأمة اليوم ، فهل من مدكر ومتعظ ؟ في الحديث ، ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا ظهر فيهم الفقر ، والأمراض المستعصية ، وظلم السلطان ، ومن أعظم آثار الربا فتكًا ، وأشدها ضررًا ، أنه سبب لعذاب القبور ، ففي الحديث الصحيح الطويل الذي أخرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه ، أن آكل الربا ، يُعذب من حين موته إلى يوم القيامة ، بالسباحة في بحر الدم ، ويلقم حجارة من نار ، وهذا عذابه في قبره مع لعنة الله له ، ألا فاتقوا الله عباد الله ، وذروا ما بقي من الربا ، واتركوا كل تعامل به ، واهجروا كل من تعامل به ، واحرصوا رحمكم الله على تحري المال الحلال ، ففيه غنية عن الحرام .
أيها المسلمون: لما كثرت البنوك الربوية ، وانتشرت الدعايات الصحفية ، تحت شعارات مضلله ، وروايات باطلة ، بأسماء منمقة ، كالخدمات البنكية ، والنظام المصرفي ، والمداينات ، والقرض والفائدة ، وحساب التوفير ، وودائع الائتمان ، ونحو ذلك ، لما تغير مسمى الربا بتلكم المسميات ، انساق الناس وراء ترهات الأحلام ، وسفهاء الأقلام ، فوقعوا في الربا عيانًا بيانًا ، فيا حسرةً على العباد ، تاهوا في كل واد ، قال صلى الله عليه وسلم:"يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ، ومن لم يأكله أصابه من غباره" [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة ] ، والناظر في واقع المسلمين اليوم ، يدرك مصداقية هذا الحديث ، وأي موظف لا يمر راتبه بأحد البنوك الربوية ، فسبحان الله ما أحلمه على خلقه ، وما أرأفه بعباده ، وما أصبره على أذاهم ، ينزل عليهم نعمه ومننه وخيراته ، ويقابلون ذلك بالمعاصي والجحود والكفران ، قال تعالى:"يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون".