فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1226

أيها المسلمون: إن الله حرم الربا في كتابه العزيز، وحرمه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأجمع العلماء على تحريمه ، ولم يُحل في ملة قط ، فمن اعتقد حله وقد جاءته الآيات والأحاديث ، فإنه مفارق للإسلام ، وخارج منه ، لكونه مكذبًا لله ورسوله ، رادًا على الله ورسوله ، قال تعالى:"قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"، فانظروا عباد الله كيف أذن الله جل وعلا بقتال من لم يُحرم ما حرمه الله ورسوله ، بل وأذن في حربهم ، وأخرجهم من دائرة الإيمان والعياذ بالله ، فالربا حرام لما يحتويه من ظلم للبشرية ، وأكل لحقوق الإنسانية ، في الربا تجتمع جميع الشرور ، بفعل الربا تصبح الأمم طبقتان ، طبقة غنية ، وأخرى فقيرة ، الربا من أسباب الكسل والخمول ، الربا حرام كله ، مهما كانت أسبابه ودوافعه ، فليس هناك مسوغ يجيز لعبد من عباد الله أن ينتهك حرمات ربه وخالقه ، الربا حرام في الأمور الاستهلاكية والإنتاجية ، الربا حرام مع المسلمين وغير المسلمين ، الربا حرام ولو حصل التراضي بين الطرفين ، لأنه عدوان لله ولرسوله ، ومعصية ظاهرة الحجة والبيان .

أمة الإسلام: احذروا سخط الله ومقته وغضبه ، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية ، بفعل الطاعات ، واجتناب المنهيات ، ألا وإن أعظم المنهيات بعد الشرك بالله التعامل بالربا ، ولا يغرنكم من هلك مع الهالكين ، فتلكم سبيل الغافلين ، وعاقبة المجرمين ، وتعاملوا فيما بينكم بالمعاملات الطيبة النافعة ، وكونوا عباد الله إخوانًا ، فرأس المال والخبرات ، تورث المنافع والخيرات ، فاحذروا الربا أيها الناس ، لا يغرنك تسهيلاتهم، فهم والله لم يسهلوها محبة لكم، وإنما يريدون اقتناصكم، فاليوم تكون الأمور سهلة، وغدًا تجتمع الديون، ويكثر المطالبون ، فلا تستطيعون وفاءها، فيعود الغني فقيرًا ، والمترف مفلسًا ، فاتقوا الله تعالى في أموالكم ، واحذروا دخول الربا فيها ، وابتعدوا عنها طاعة لله ، وخوفًا من عقوبته ، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه .

أيها المسلمون: كل الناس يعلم حرمة الزنا ، ولقد جعل الله الربا أشد من الزنا ، قال صلى الله عليه وسلم:"درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" [ أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط ، وصححه الألباني ] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"الربا ثلاث وسبعون بابًا ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه" [ أخرجه الحاكم وصححه الألباني ] ، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن ، وسوء المحن ، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما سمعتم ، فما كان من صواب فمن الله ، وما كان من خطأ فأستغفر الله منه ، واستغفروه إنه كان للأوابين غفورًا .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا حمدًا ، والشكر له شكرًا شكرًا ، له الحمد كله ، وله الشكر كله ، وله الفضل كله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، أهل هو أن يعبد ، وأهل هو أن يشكر ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا له عبد ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلوات ربي وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع سنته ، واهتدى بهداه . . . أما بعد:

فيا أيها المسلمون: لقد كثرت الدعايات للعمل بالربا ، وتعددت مجالاته ، وتنوعت أساليبه ، فعلى المسلم أن يخشى الله ويتقه ، ويعلم أنه موقوف بين يديه يوم القيامة ، فمن معاملات الربا المحرمة اليوم وأكثرها شيوعًا:

*** القرض بفائدة ، وصورة ذلك ، أن يقترض شخص من آخر أو مؤسسة أو بنك مالًا على أن يرده وزيادة ، فهذا هو عين الربا الذي أجمعت الأمة على تحريمه ، وجاءت النصوص الشرعية بمنعه والتحذير منه قال تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".

*** ومن صور الربا المحرمة ، بيع العينة ، وصورة ذلك ، أن يبيع سلعة بثمن مؤجل على شخص ، ثم يشتريها منه بثمن حال أقل من الثمن المؤجل ، فهذه معاملة ربوية محرمة ، جُعلت السلعة فيها حيلة وستارة فقط ، يتحايلون على الله تعالى كما يتحايلون على الأطفال ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ، قال صلى الله عليه وسلم:"لئن تركتم الجهاد ، وأخذتم أذناب البقر ، وتبايعتم بالعينة ، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم ، حتى تتوبوا إلى الله ، وترجعوا على ما كنتم عليه" [ أخرجه أبو داود ] .

*** ربا الدين ، وصورته أن يبيع الرجل على آخر بيعًا إلى أجل مسمى ، فإذا جاء الأجل ، ولم يكن عند صاحبه قضاء ، زاد في الثمن وأخر عنه في الدفع إلى أجل مسمى آخر ، وهذه هو الربا أضعافًا مضاعفة ، وهو ربا الجاهلية الذي نهى الله عنه بقوله سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله".

*** ربا النسيئة ، وله صورة متعددة ، منها: أن يقرض شخصًا مبلغًا من المال على أن يرده وزيادة ، ومنها: بيع النقود بالنقود ، أو النقود بالذهب إلى أجل بزيادة ، أو بيع ذلك من غير تقابض في المجلس ، ولو لم يكن هناك زيادة ، فهذا عين الربا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلًا بمثل ، يدًا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء" [ أخرجه مسلم ] ، وفي رواية:"مثلًا بمثل ، سواءً بسواء ، يدًا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" [ أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا مثلًا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض" [ متفق عليه ] ولا تفضلوا بعضها على بعض ، وقال صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة المذكورة:"ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز" [ متفق عليه ] ، وهذه الأنواع من الربا واقعة اليوم بكثرة جارفة ، وتكثر في المصارف ، وعند باعة الذهب والحلي ، وإذا اختلفت الأصناف حال البيع ، فيلزم أن تكون مقبوضة في الحال فقط ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم ، يدًا بيد ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم ، يدًا بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم ، يدًا بيد" [ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود ] ، ولفظ أبي داود:"ولا بأس ببيع الذهب بالفضة ، والفضة أكثرها ، يدًا بيد ، وأما نسيئة فلا ، ولا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرها ، يدًا بيد ، وأما نسيئة فلا".

*** ومن صور الربا اليوم ، أن يُعجل الموظف استلام راتبه قبل نهاية الشهر مقابل فائدة مالية ، يسمونها عمولة البطاقة ، وفي حقيقتها زيادة مالية ربوية ، يرى الناس ظاهرها ، ويخفى عليهم باطنها ، وهي معاملة ملعون صاحبها وآكلها والمتعامل بها ، فاحذروا عباد الله من تلك الألاعيب المكشوفة ، التي يتحايلون بها على الناس ، ليدخل الربا في أموالهم ، فتمحق بركاتها ، وتزول خيراتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت