فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 1226

قال أبو محمد رحمه الله: وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي تَشْهَدُ لَهَا اللُّغَةُ , وَالشَّرِيعَةُ , وَالْحِسُّ , فَهُوَ أَنَّ الدَّقِيقَ لَيْسَ قَمْحًا ، وَلاَ شَعِيرًا , لاَ فِي اسْمِهِ , وَلاَ فِي صِفَتِهِ , وَلاَ فِي طَبِيعَتِهِ. فَهَذِهِ الدَّوَابُّ تُطْعَمُ الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ فَلاَ يَضُرُّهَا بَلْ يَنْفَعُهَا , وَتُطْعَمُ الْقَمْحَ فَيُهْلِكُهَا , وَالدَّبْسُ لَيْسَ تَمْرًا , لاَ فِي لُغَةٍ , وَلاَ فِي شَرِيعَةٍ , وَلاَ فِي مُشَاهَدَةٍ. وَلاَ فِي اسْمِهِ , وَلاَ فِي صِفَاتِهِ. وَالْمَاءُ لَيْسَ مِلْحًا ; لأََنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ , وَلاَ يَجُوزُ بِالْمِلْحِ. وَلَيْسَ تَوْلِيدُ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ بِمُوجِبِ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ هُوَ الَّذِي عَنْهُ تُوُلِّدَ , فَنَحْنُ خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ , وَنُطْفَةٍ , وَمَاءٍ , وَلَسْنَا نُطْفَةً , وَلاَ تُرَابًا , وَلاَ مَاءً. وَالْخَمْرُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْعَصِيرِ وَهِيَ حَرَامٌ وَالْعَصِيرُ حَلاَلٌ. وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ ، عَنِ الدَّمِ وَاللَّبَنُ حَلاَلٌ وَالدَّمُ حَرَامٌ. وَالْعَذِرَةُ تَسْتَحِيلُ تُرَابًا حَلاَلًا طَيِّبًا. وَالدَّجَاجَةُ تَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ فَيَصِيرَانِ فِيهَا لَحْمًا حَلاَلًا طَيِّبًا. وَالْخَلُّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْخَمْرِ وَهُوَ حَلاَلٌ وَهِيَ حَرَامٌ.

وَأَمَّا حُلِيُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهُمَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِاسْمَيْهِمَا وَصِفَاتِهِمَا وَطَبِيعَتِهِمَا فِي اللُّغَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ [ وَاحِدٌ ] وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ

1494- مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ بَيْعًا حَلاَلًا , أَوْ فِضَّةً بِفِضَّةٍ كَذَلِكَ , أَوْ فِضَّةً بِذَهَبٍ كَذَلِكَ , مَسْكُوكًا بِمِثْلِهِ أَوْ مَصُوغَيْنِ , أَوْ مَصُوغًا بِمَسْكُوكٍ , أَوْ تِبْرًا أَوْ نَقَّارًا , فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا , وَقَبْلَ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ , وَإِنْ شَاءَ اسْتَبْدَلَ ; لأََنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بَعْدُ , فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَأْنِفٌ لِبَيْعٍ ، عَنْ تَرَاضٍ أَوْ تَارِكٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1495- مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِالأَبْدَانِ , أَوْ بَعْدَ التَّخْيِيرِ وَاخْتَارَ الْمُخَيَّرُ إتْمَامَ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ خَلْطٍ وَجَدَهُ مِنْ غَيْرِ مَا اشْتَرَى , لَكِنْ كَفِضَّةٍ أَوْ صُفْرٍ فِي ذَهَبٍ , أَوْ صُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي فِضَّةٍ , فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ , مَرْدُودَةٌ , كَثُرَتْ أَمْ قَلَّتْ , قَلَّ ذَلِكَ الْخَلْطُ أَمْ كَثُرَ ; لأََنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى , وَلاَ الَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ الصَّفْقَةَ , فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي تَرَاضَى بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ صِحَّةِ الْبَيْعِ. وَلاَ يَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا إِلاَّ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ , وَلاَ خِيَارَ فِي إمْضَائِهَا ; لأََنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1496- مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضُ مَا اشْتَرَى أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ , أَوْ لَوْ تَأَخَّرَ قَبْضُ شَيْءٍ مِمَّا تَبَايَعَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لأََنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ صَحِيحًا وَمَا لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ فَاسِدٌ , وَكُلُّ عَقْدٍ اخْتَلَطَ الْحَرَامُ فِيهِ بِالْحَلاَلِ فَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ , لأََنَّهُ لَمْ يُعْقَدْ صِحَّةُ الْحَلاَلِ مِنْهُ إِلاَّ بِصِحَّةِ الْحَرَامِ , وَكُلُّ مَا لاَ صِحَّةَ لَهُ إِلاَّ بِصِحَّةِ مَا لاَ يَصِحُّ , فَلاَ صِحَّةَ لَهُ ,وَلاَ يَحِلُّ أَنْ يُلْزَمَ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ وَحْدَهُ. دُونَ غَيْرِهِ.

1497 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي نَفْسِ مَا اشْتَرَى كَكَسْرٍ , أَوْ كَانَ الذَّهَبُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ بِطَبْعِهِ , وَالْفِضَّةُ كَذَلِكَ , كَالذَّهَبِ الأَشْقَرِ وَالأَخْضَرِ بِطَبْعِهِ. فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ السَّلاَمَةَ فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ ; لأََنَّهُ وَجَدَ غَيْرَ مَا اشْتَرَى , فَلاَ يَحِلُّ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ بَيْعًا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّلاَمَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكِ الصَّفْقَةِ كَمَا هِيَ ، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ ,

وَأَمَّا فَسْخُهَا كُلِّهَا ، وَلاَ بُدَّ ; لأََنَّهُ اشْتَرَى الْعَيْنَ , فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ ثُمَّ وَجَدَ غَبْنًا , وَالْغَبْنُ إذَا رَضِيَهُ الْبَائِعُ وَعَرَفَ قَدْرَهُ جَائِزٌ لاَ كَرَاهِيَةَ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ. وَلاَ يَحِلُّ لَهُ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ ; لأََنَّهُ لَمْ يَتَرَاضَ الْبَيْعَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ عَلَى جَمِيعِهَا , فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا تَرَاضِيًا بِهِ مَعًا , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ، عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إِلاَّ مَا تَرَاضِيًا بِهِ مَعًا.

قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْخَلْفُ وَالسَّلَفُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ الأَشْعَثِ الْحَرَّانِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يَشْتَرِي الدَّرَاهِمَ وَيَشْتَرِطُ إنْ كَانَ فِيهَا زَائِفٌ أَنْ يَرُدَّهُ أَنَّهُ كَرِهَ الشَّرْطَ , وَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.

قَالَ عَلِيٌّ: ظَاهِرُ هَذَا رَدُّ الْبَيْعِ ; لأََنَّهُ لَوْ أَرَادَ رَدَّ الزَّائِفِ وَحْدَهُ لَذَكَرَ بُطْلاَنَ مَا قَابَلَهُ , وَصِحَّةُ الْعَقْدِ فِي سَائِرِ الصَّفْقَةِ , أَوْ لَذَكَرَ الأَسْتِدْلاَلَ , وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ شَيْئًا , فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ قَوْلُنَا.

وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا هَمَّامٌ ، هُوَ ابْنُ يَحْيَى قَالَ: زَعَمَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَأَخْطَئُوا فِيهَا بِدِرْهَمٍ سَتُّوقٍ فَكَرِهَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ , وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْحَاضِرِينَ قَالَ بِهِ , وَلاَ نَعْلَمُ الآنَ ، عَنِ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الصَّرْفَ فِي مِقْدَارِ مَا وَجَدَ رَدِيئًا فَقَطْ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ , وَاللَّيْثُ , وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يَسْتَبْدِلُ كُلَّ مَا وَجَدَ زَائِفًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَالَ ابْنُ حَيٍّ وَالسَّتُّوقُ كَذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت