مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلِأَنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شَرَفٍ إذْ بِهِ قِوَامُ الْأَبْدَانِ , وَالثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ إذْ بِهَا قِوَامُ الْأَمْوَالِ , فَيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِمَا ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي الْأَثْمَانِ الْوَزْنَ لَمْ يَجُزْ إسْلَامُهُمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ لِأَنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا الْفَضْلُ يَكْفِي فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ . وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: الْعِلَّةُ فِيمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ , كَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْخَوْخِ وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهَا , وَلَا فِيمَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ , لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَثَرًا , وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِجَمِيعِهَا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ ; وَلِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ وَالْجِنْسَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُمَاثَلَةِ وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَحْقِيقِهَا فِي الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لَا مَا تَحَقَّقَ شَرْطُهُ . وَالطَّعْمُ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ بِهِ لِعَدَمِ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ , وَإِنَّمَا تَجِبُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ , وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ دُونَ غَيْرِهِمَا , وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَتَقْيِيدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ , { فَنَهْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } يَتَقَيَّدُ بِمَا فِيهِ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ , وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَطْعُومِ الْمَنْهِيِّ عَنْ التَّفَاضُلِ فِيهِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا فَرْقَ فِي الْمَطْعُومَاتِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ قُوتًا كَالْأُرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدَّخَنِ , أَوْ أَدَمًا كَالْقُطْنِيَّاتِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ , أَوْ تَفَكُّهًا كَالثِّمَارِ , أَوْ تَدَاوِيًا كَالْإِهْلِيلِجِ وَالسَّقَمُونْيَا , فَإِنَّ الْكُلَّ فِي بَابِ الرِّبَا وَاحِدٌ .
مِنْ أَحْكَامِ الرِّبَا:
26 -إذَا تَحَقَّقَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي مَالٍ مِنْ الْأَمْوَالِ , فَإِنْ بِيعَ بِجِنْسِهِ حُرِّمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِمَا رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ , وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ , وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ , وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ , مِثْلًا بِمِثْلٍ , سَوَاءً بِسَوَاءٍ , يَدًا بِيَدٍ , فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } . وَهَذَا قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ , وَفِيمَا عَدَاهُ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعِلَّةِ . وَفِيمَا يَلِي مُجْمَلُ أَحْكَامِ الرِّبَا كُلُّ مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ .