20 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا سِوَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه , وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ , هَلْ يَحْرُمُ الرِّبَا فِيهَا كَمَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ أَمْ لَا يَحْرُمُ ؟ . فَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ , بَلْ يَتَعَدَّى إلَى مَا فِي مَعْنَاهَا , وَهُوَ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ , فَيَثْبُتُ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ , فَتُسْتَخْرَجُ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَيَثْبُتُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُهُ فِيهِ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ رَوَيَا حَدِيثَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ وَفِي آخِرِهِ { وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ } فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ , وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَا } أَيْ الرِّبَا , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ عَيْنَ الصَّاعِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الصَّاعِ , كَمَا يُقَالُ خُذْ هَذَا الصَّاعَ أَيْ مَا فِيهِ , وَوَهَبْت لِفُلَانٍ صَاعًا أَيْ مِنْ الطَّعَامِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ , فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَكُلُّ تَمْرَ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ: لَا , وَاَللَّهِ , يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَفْعَلُوا , وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ , أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا , وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ } . يَعْنِي مَا يُوزَنُ بِالْمِيزَانِ , فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ إلَى غَيْرِهَا . وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَ الرِّبَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ , وَلَكِنْ ذَكَرَ حُكْمَ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ . وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ بِالذِّكْرِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَامَّةَ الْمُعَامَلَاتِ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: { كُنَّا فِي الْمَدِينَةِ نَبِيعُ الْأَوْسَاقَ وَنَبْتَاعُهَا } وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ مِمَّا تَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهِيَ الْأَجْنَاسُ الْمَذْكُورَةُ . وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَنَفَّات الْقِيَاسِ أَنَّهُمْ قَصَرُوا التَّحْرِيمَ عَلَى الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا , وَقَالُوا إنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِهَا بَلْ إنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ , وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ: أَنَّ الشَّارِعَ خَصَّ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ وَالْأَقْوَاتِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ , فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي كُلِّ الْمَكِيلَاتِ أَوْ فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ لَقَالَ: لَا تَبِيعُوا الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ مُتَفَاضِلًا أَوْ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ مُتَفَاضِلًا , فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَكُونُ أَشَدَّ اخْتِصَارًا وَأَكْثَرَ فَائِدَةً , فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَعَدَّ الْأَرْبَعَةَ عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْحُرْمَةِ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا . وَأَنَّ التَّعْدِيَةَ مِنْ مَحَلِّ النَّصِّ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِوَاسِطَةِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَهُوَ عِنْدَ نُفَاةِ الْقِيَاسِ غَيْرُ جَائِزٍ .
عِلَّةُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا: