15 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي يُخَالِطُهُ الرِّبَا مَفْسُوخٌ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ , وَأَنَّ مَنْ أَرْبَى يُنْقَضُ عَقْدُهُ وَيُرَدُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ , وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْفَسَادَ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: { جَاءَ بِلَالٌ - رضي الله عنه - بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ فَقَالَ بِلَالٌ: مِنْ تَمْرٍ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٍ , فَبِعْت مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا , لَا تَفْعَلْ , وَلَكِنْ إذَا أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ } فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا } أَيْ هُوَ الرِّبَا الْمُحَرَّمُ نَفْسُهُ لَا مَا يُشْبِهُهُ , وَقَوْلُهُ: { فَهُوَ رَدٌّ } يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ فَسْخِ صَفْقَةِ الرِّبَا وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِوَجْهٍ . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ } . وَقَالَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الرَّدُّ وَالْإِبْطَالُ . وَفَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: مَنْ بَاعَ بَيْعًا أَرْبَى فِيهِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لِلرِّبَا فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ , وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا كَانَ قَائِمًا , وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ , فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا , أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا , فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا } . فَإِنْ فَاتَ الْبَيْعُ فَلَيْسَ , لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ قَبَضَ الرِّبَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ , فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ أَرْبَى ثُمَّ تَابَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ , وَمَا قَبَضَ مِنْ الرِّبَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ , وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ رِبَا , فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ فَهُوَ لَهُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ } وَأَمَّا إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ الرِّبَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ , وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَعْلَمُهُ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: اشْتِرَاطُ الرِّبَا فِي الْبَيْعِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ , لَكِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ , فَيُمْلَكُ الْمَبِيعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ , وَلَا يُمْلَكُ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ بِالْقَبْضِ , يَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: الْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعِبَادَاتِ سِيَّانِ , أَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ أَثَرُ الْمُعَامَلَةِ عَلَيْهَا فَهُوَ الْبُطْلَانُ , وَإِنْ تَرَتَّبَ فَإِنْ كَانَ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ شَرْعًا فَهُوَ الْفَسَادُ , وَإِلَّا فَهُوَ الصِّحَّةُ . وَالْبَيْعُ الرِّبَوِيُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ , وَحُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِوَضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَيَجِبُ رَدُّهُ لَوْ قَائِمًا , وَرَدُّ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ لَوْ مُسْتَهْلَكًا , وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ الزِّيَادَةِ الرِّبَوِيَّةِ لَوْ قَائِمَةً , لَا رَدُّ ضَمَانِهَا , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ حَقَّيْنِ , حَقَّ الْعَبْدِ وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ لَوْ قَائِمًا وَمِثْلِهِ لَوْ هَالِكًا , وَحَقَّ الشَّرْعِ وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ لِنَقْضِ الْعَقْدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا , وَبَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ لَا يَتَأَتَّى رَدُّ عَيْنِهِ فَتَعَيَّنَ رَدُّ الْمِثْلِ وَهُوَ مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ , ثُمَّ إنْ رَدَّ عَيْنَهُ لَوْ قَائِمًا فِيمَا لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الزَّائِدِ , أَمَّا لَوْ بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَزَادَهُ دَانِقًا هِبَةً مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ .
الْخِلَافُ فِي رِبَا الْفَضْلِ:
16 -أَطْبَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ إذَا اجْتَمَعَ التَّفَاضُلُ مَعَ النَّسَاءِ , وَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ نَقْدًا فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ: صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم إبَاحَتُهُ , وَكَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَعَ رُجُوعِهِ عَنْهُ , وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهم , وَفِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه شَيْءٌ مُحْتَمَلٌ , وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنهما مِنْ الصَّحَابَةِ , وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَصَحَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَفُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ , وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ .
انْقِرَاضُ الْخِلَافِ فِي رِبَا الْفَضْلِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ: