و عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ الْوُقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلاَثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ وَزْنًا بِوَزْنٍ » . (1)
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ - وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا - يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ » . (2)
(1) - صحيح مسلم برقم ( 4162 )
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 455)
قَوْله: ( كُنَّا نُبَايِع الْيَهُود الْأُوقِيَّة الذَّهَب بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَبِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ )
يُحْتَمَل أَنَّ مُرَاده كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّة مِنْ ذَهَبَ وَخَرَز وَغَيْره بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ، وَإِلَّا فَالْأُوقِيَّة وَزْن أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَمَعْلُوم أَنَّ أَحَدًا لَا يَبْتَاع هَذَا الْقَدْر مِنْ ذَهَب خَالِص بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ، وَهَذَا سَبَب مُبَايَعَة الصَّحَابَة عَلَى هَذَا الْوَجْه ظَنُّوا جَوَازه لِاخْتِلَاطِ الذَّهَب بِغَيْرِهِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَام حَتَّى يُمَيِّزُوا ، وَيُبَاع الذَّهَب بِوَزْنِهِ ذَهَبًا . وَوَقَعَ هُنَا فِي النُّسَخ ( الْوُقِيَّة الذَّهَب ) وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة وَالْأَشْهُر ( الْأُوقِيَّة ) بِالْهَمْزِ فِي أَوَّله ، وَسَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات .
(2) - سنن أبى داود برقم ( 3351 ) صحيح
عون المعبود - (ج 7 / ص 330)
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ:
( تِبْرهَا وَعَيْنهَا ) التِّبْر الذَّهَب الْخَالِص وَالْفِضَّة قَبْل أَنْ يُضْرَبَا دَنَانِير وَدَرَاهِم ، فَإِذَا ضُرِبَا كَانَا عَيْنًا . قَالَهُ فِي الْمَجْمَع . قَالَ الْخَطَّابِيّ: وَالْمَعْنَى كِلَاهُمَا سَوَاء ، فَلَا يَجُوز بَيْع مِثْقَال ذَهَب عَيْنًا بِمِثْقَالٍ وَشَيْء مِنْ تِبْر غَيْر مَضْرُوب ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوز التَّفَاوُت بَيْن الْمَضْرُوب مِنْ الْفِضَّة وَغَيْر الْمَضْرُوب مِنْهَا اِنْتَهَى مُحَصَّلًا
( مُدْيٌ بِمُدْيٍ ) بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الدَّال مِكْيَال يَسْعَ خَمْسَة عَشَر مَكُّوكًا . كَذَا فِي الْمَجْمَع . قَالَ الْخَطَّابِيّ: وَالْمُدْي مِكْيَال مَعْرُوف بِبِلَادِ الشَّام ، وَبِلَاد مِصْر بِهِ يَتَعَامَلُونَ وَأَحْسَبهُ خَمْسَة عَشَر مَكُّوكًا وَالْمَكُّوك صَاع وَنِصْف اِنْتَهَى ، وَالْمَعْنَى مِكْيَال بِمِكْيَالٍ
( فَمَنْ زَادَ ) أَيْ أَعْطَى الزِّيَادَة
( أَوْ اِزْدَادَ ) أَيْ طَلَبَ الزِّيَادَة
( فَقَدْ أَرْبَى ) أَيْ أَوْقَع نَفْسه فِي الرِّبَا الْمُحَرَّم .
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: أَيْ أَتَى الرِّبَا وَتَعَاطَاهُ . وَمَعْنَى اللَّفْظ أَخَذَ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهُ مِنْ رَبَا الشَّيْء يَرْبُو إِذَا زَادَ
( وَالْفِضَّة أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَة فَلَا ) نَسِيئَة بِوَزْنِ كَرِيمَة وَبِالْإِدْغَامِ نَحْو مَرِيَّة وَبِحَذْفِ الْهَمْزَة وَكَسْر النُّون نَحْو جِلْسَة .
قَالَ الْخَطَّابِيّ: فِيهِ بَيَان أَنَّ التَّقَابُض شَرْط فِي صِحَّة الْبَيْع فِي كُلّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ ذَهَب وَفِضَّة وَغَيْرهمَا مِنْ الْمَطْعُوم وَإِنْ اِخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُول وَلَا بَأْس بِبَيْعِ الْبُرّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِير أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا النَّسِيئَة فَلَا ، فَنَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَرَى . وَجَوَّزَ أَهْل الْعِرَاق بَيْع الْبُرّ بِالشَّعِيرِ مِنْ غَيْر تُقَابِض وَصَارُوا إِلَى أَنَّ الْقَبْض إِنَّمَا يَجِب فِي الصَّرْف دُون مَا سِوَاهُ وَقَدْ اِجْتَمَعَتْ بَيْنهمَا النَّسِيئَة فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِيقِ بَيْنهمَا ، وَجُمْلَته أَنَّ الْجِنْس الْوَاحِد مِمَّا فِيهِ الرِّبَا لَا يَجُوز فِيهِ التَّفَاضُل نِسْئًا وَلَا نَقْدًا وَأَنَّ الْجِنْسَيْنِ لَا يَجُوز فِيهِمَا التَّفَاضُل نِسْئًا وَيَجُوز نَقْدًا اِنْتَهَى
( قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيث إِلَخْ )
يَعْنِي أَنَّ سَعِيدًا وَهِشَامًا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ قَتَادَة عَنْ مُسْلِم بِلَا وَاسِطَة أَبِي الْخَلِيل .
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ وَفِي أَلْفَاظه زِيَادَة وَنَقْص .
( إِذَا كَانَ ) أَيْ لِلْبَيْعِ
( يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ حَالًا مَقْبُوضًا فِي الْمَجْلِس قَبْل اِفْتِرَاق أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر .