وعن أبي هَانِئٍ الْخَوْلاَنِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُلَىَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِىَّ يَقُولُ سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهِىَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالذَّهَبِ الَّذِى فِى الْقِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ » . (1)
(1) - صحيح مسلم برقم ( 4159 )
شرح معاني الآثار - (ج 5 / ص 39)
بَابُ الْقِلَادَةُ تُبَاعُ بِذَهَبٍ وَفِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَصَبْت يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، فَأَرَدْت أَنْ أَبِيعَهَا .
فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ افْصِلْ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ ، ثُمَّ بِعْهَا كَيْفَ شِئْت .
حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُجَاعٍ ، سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمْيَرِيُّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اشْتَرَيْت يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً .
فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا ، فَفَصَلْتهَا فَإِذَا الذَّهَبُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا .
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تَفْصِلَهُ .
حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: سَمِعْت خَالِدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ ، يُحَدِّثُ عَنْ حَنَشٍ ، عَنْ فَضَالَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ ، فِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِسَبْعٍ أَوْ بِتِسْعٍ .
فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَا ، حَتَّى تُمَيِّزَ مَا بَيْنَهُمَا .
فَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت الْحِجَارَةَ فَقَالَ لَا ، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا ، فَرَدَّهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْقِلَادَةَ إذَا كَانَتْ كَمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ بِالذَّهَبِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الثَّمَنَ ، وَهُوَ ذَهَبٌ ، يُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ الْخَرَزِ ، وَعَلَى الذَّهَبِ ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا ، بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الثَّمَنِ ، كَالْعَرْضَيْنِ يُبَاعَانِ بِذَهَبٍ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِمَا أَصَابَ قِيمَتَهُ ، مِنْ ذَلِكَ الذَّهَبِ .
قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ مَا يُصِيبُ الذَّهَبُ ، الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ ، إنَّمَا يُصِيبُهُ بِالْخَرَزِ ، وَالظَّنِّ ، وَكَانَ الذَّهَبُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ثَمَنَ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ مِثْلُ وَزْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ ، الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ الْقِلَادَةُ .
وَلَا يَعْلَمُ بِقِسْمَةِ الثَّمَنِ ، إنَّمَا يَعْلَمُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى حِدَةٍ ، بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى وَزْنِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُفْصَلَ مِنْ الْقِلَادَةِ .
قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْقِلَادَةِ بِالذَّهَبِ ، إلَّا بَعْدَ أَنْ يُفْصَلَ ذَهَبَهَا مِنْهَا ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِمَا احْتَجَجْنَا بِهِ مِنْ النَّظَرِ .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِلَادَةُ ، لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ ذَهَبِهَا ، أَهُوَ مِثْلُ وَزْنِ جَمِيعِ الثَّمَنِ ، أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَكْثَرُ ، إلَّا أَنْ تُفْصَلَ الْقِلَادَةُ ، فَيُوزَنُ ذَلِكَ الذَّهَبُ الَّذِي فِيهَا ، فَيُوقَفُ عَلَى زِنَتِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِذَهَبٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُفْصَلَ ذَهَبُهَا مِنْهَا ، فَيُعْلَمَ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ .
وَإِنْ كَانَتْ الْقِلَادَةُ يُحِيطُ الْعِلْمُ بِوَزْنِ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الذَّهَبِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ أَوْ لَا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِوَزْنِهِ إلَّا أَنَّهُ يَعْلَم - فِي الْحَقِيقَةِ - أَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ الْقِلَادَةُ ، وَهُوَ ذَهَبٌ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ ذَهَبُهَا ، بِمِثْلِ وَزْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ الثَّمَنَ ، وَيَكُونُ مَا فِيهَا مِنْ الْخَرَزِ ، بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعُرُوضِ الْمَبِيعَةِ بِالثَّمَنِ الْوَاحِدِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ، أَنَّا رَأَيْنَا الذَّهَبَ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِذَهَبٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَرَأَيْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي دِينَارَيْنِ ، أَحَدُهُمَا فِي الْجَوْدَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ ، بِيعَا ، صَفْقَةً وَاحِدَةً ، بِدِينَارَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْجَوْدَةِ ، أَوْ بِذَهَبٍ غَيْرِ مَضْرُوبٍ جَيِّدٍ ، أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ .
فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى حُكْمِ الْقِيمَةِ ، كَمَا تُرَدُّ الْعُرُوض مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، إذَا بِيعَتْ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، إذًا لَفَسَدَ الْبَيْعُ ، لِأَنَّ الدِّينَارَ الرَّدِيءَ ، يُصِيبُهُ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِهِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الدِّينَارِ الْآخَرِ .
فَلَمَّا أُجْمِعَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْبَيْعِ ، وَكَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ ثَبَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِأَنَّ الذَّهَبَ ، تِبْرَهُ وَعَيْنَهُ سَوَاءٌ ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الذَّهَبِ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ بِذَهَبٍ عَلَى غَيْرِ الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيَمِ ، وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي ذَلِكَ بِحُكْمٍ ، دُونَ حُكْمِ سَائِرِ الْعُرُوضِ الْمَبِيعَةِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَزْنُهُ ، لَا مَا يُصِيبُ قِيمَتَهُ .
فَهَذَا هُوَ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ النَّظَرِ .
وَقَدْ اضْطَرَبَ عَلَيْنَا حَدِيثُ فَضَالَةَ ، الَّذِي ذَكَرْنَا ، فَرَوَاهُ قَوْمٌ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي ، أَبُو هَانِئٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ .
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ ، فَنُزِعَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ .
حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ ، عَنْ فَضَالَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ"بِخَيْبَرَ".
حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ قَالَ: ثنا الْمُقْرِئُ قَالَ: ثنا حَيْوَةُ عَنْ أَبِي هَانِئٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، غَيْرُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ .
فِي هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَزَعَ الذَّهَبَ ، فَجَعَلَهُ عَلَى حِدَةٍ ، ثُمَّ قَالَ { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ } لِيَعْلَمَ النَّاسُ كَيْفَ حُكْمُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ .
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَ الذَّهَبَ لِأَنَّ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فِي ذَلِكَ ، فَفَعَلَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ ، لَا لِأَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ قَبْلَ أَنْ يُنْزَعَ ، مَعَ غَيْرِهِ ، فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، غَيْرُ جَائِزٍ .
وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَى مَنْ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ } .
وَقَدْ رَوَاهُ آخَرُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَيْضًا .
فَحَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ: حَدَّثَنِي { حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيُّ ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَحْرِ ، مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَنَشٌ: فَاشْتَرَيْت قِلَادَةً فِيهَا تِبْرٌ وَيَاقُوتٌ ، وَزَبَرْجَدٌ فَأَتَيْت فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ، فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا تَأْخُذْ التِّبْرَ بِالتِّبْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِنِّي كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ ، فَاشْتَرَيْت قِلَادَةً بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ ، فِيهَا تِبْرٌ وَجَوْهَرٌ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَأْخُذْ التِّبْرَ بِالذَّهَبِ ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، غَيْرُ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ: وَذَلِكَ أَنَّ مَا حَكَى فَضَالَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هُوَ التِّبْرُ بِالذَّهَبِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَسَادَ الْبَيْعِ فِي الْقِلَادَةِ الْمَبِيعَةِ بِذَلِكَ إذْ كَانَ فِيهَا ذَهَبٌ وَغَيْرُهُ .
فَهَذَا خِلَافُ الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ .
وَقَدْ رَوَاهُ آخَرُونَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمَا ، عَنْ حَنَشٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ ، فَصَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي ، قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ ، وَوَرِقٌ ، وَجَوْهَرٌ فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهَا .
فَسَأَلْت فَضَالَةَ ، فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا ، وَاجْعَلْهُ فِي الْكِفَّةِ ، وَاجْعَلْ ذَهَبًا فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ .
فَهَذَا خِلَافٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، لِأَنَّ فِيهِ أَمْرَ فَضَالَةَ بِنَزْعِ الذَّهَبِ وَبَيْعِهِ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هُوَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ .
فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالْأَمْرُ بِالتَّفْصِيلِ مِنْ قَوْلِ فَضَالَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ ، الْبَيْعُ فِيهَا ، فِي الذَّهَبِ ، حَتَّى تُفْصَلَ .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ ، لِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ أَنَّ تِلْكَ قِلَادَةٌ ، لَا يُوصَلُ إلَى عِلْمِ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَا إلَى مِقْدَارِهِ ، إلَّا بَعْدَ أَنْ يُفْصَلَ مِنْهَا .
فَقَدْ اضْطَرَبَ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَلَمْ يُوقَفْ عَلَى مَا أُرِيدَ مِنْهُ .
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي ، الَّتِي رُوِيَ عَلَيْهَا ، إلَّا احْتَجَّ مُخَالِفُهُ عَلَيْهِ ، بِالْمَعْنَى الْآخَرِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، كَيْفَ وَجْهُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الَّذِينَ جَعَلُوا حُكْمَ الذَّهَبِ الْمَبِيعِ مَعَ غَيْرِهِ بِالْمُذَهَّبِ ، لَا عَلَى قَسْمِ الثَّمَنِ عَلَى الْقِيَمِ ، وَلَكِنْ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ مَبِيعٌ بِوَزْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ الثَّمَنِ ، وَمَا بَقِيَ مَبِيعٌ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيَشَانِيِّ ، قَالَ: اشْتَرَى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قِلَادَةً ، فِيهَا تِبْرٌ ، وَزَبَرْجَدٌ ، وَلُؤْلُؤٌ ، وَيَاقُوتٌ بِسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ .
فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، حِينَ طَلَعَ مُعَاوِيَةُ الْمِنْبَرَ ، أَوْ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ، فَقَالَ"أَلَا إنَّ مُعَاوِيَةَ ، اشْتَرَى الرِّبَا وَأَكَلَهُ ، أَلَا إنَّهُ فِي النَّارِ إلَى حَلْقِهِ".
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقِلَادَةُ ، كَانَ فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرَ ، مِمَّا اُشْتُرِيَتْ بِهِ ، فَكَانَ مِنْ عُبَادَةَ مَا كَانَ لِذَلِكَ .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِيعَتْ بِنَسِيئَةٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا .
وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَفِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ ، مَا أَنْكَرَ .
مَا حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيّ ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ ، عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ ، فَأَصَبْنَا ذَهَبًا وَفِضَّةً ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا النَّاسُ فِي عَطِيَّاتِهِمْ .
قَالَ: فَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا ، فَقَامَ عُبَادَةُ ، فَنَهَاهُمْ ، فَرَدُّوهَا ، فَأَتَى الرَّجُلُ مُعَاوِيَةَ فَشَكَا إلَيْهِ .
فَقَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا فَقَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، يَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَيْهِ ، لَمْ نَسْمَعْهَا .
فَقَامَ عُبَادَةُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ .
حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ فِي إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ ، يَبِيعُونَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَى الْعَطَاءِ .
فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُذَهَّبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، فَمَنْ زَادَ ، أَوْ ازْدَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ إنْكَارِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، إلَى أَجَلٍ ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْقِلَادَةُ ، الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ الْمَبِيعَةُ بِالذَّهَبِ ، أَوْ الْقِلَادَةُ الَّتِي فِيهَا الْفِضَّةُ الْمَبِيعَةُ بِالْفِضَّةِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْهُ ، عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ إذَا بِيعَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ ذَهَبِهِ أَوْ فِضَّتِهِ ، مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ .
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ ثنا إسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَرِ السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ .
فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ أَجَازَ بَيْعَ السَّيْفِ ، الَّذِي حِلْيَتُهُ فِضَّةٌ ، بِفِضَّةٍ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، اخْتِلَافٌ .
حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ اشْتِرَاءِ الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ ، بِالذَّهَبِ ، فَقَالَا: لَا يَصْلُحُ اشْتِرَاؤُهُ بِالذَّهَبِ .
حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا ، أَنْ يَشْتَرِيَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةً ( بِفِضَّةٍ وَذَهَبٍ ) : حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مُبَارَكٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا ، أَنْ يُبَاعَ السَّيْفُ الْمُفَضَّضُ بِالدَّرَاهِمِ ، بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ ، تَكُونُ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَالسَّيْفُ بِالْفَضْلِ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي بَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى: إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ الَّتِي فِيهِ ، أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى ، بِالدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمَائِلَهُ وَجَفْنَهُ وَنَصْلَهُ .
المنتقى - شرح الموطأ - (ج 3 / ص 407)
( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي مُرَاطَلَةِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ الْعَدَدُ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ الْوَزْنُ سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً أَوْ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً أَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَجْمُوعَةً وَالثَّانِيَةُ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ إنَّمَا هُوَ بِالْوَزْنِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّعَامُلُ فِيهِ بِالْعَدَدِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِلْعُرْفِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْوَزْنِ فِيمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْوَزْنُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ اعْتِبَارِهِ وَوَجْهُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي فَسَادِ عَقْدٍ وَلَا صِحَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ تِبْرًا وَالْآخَرُ مَسْكُوكًا أَوْ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا مِثْلَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِالْوَزْنِ وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِسِكَّةٍ وَلَا صِيَاغَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاطَلَةِ دُونَ اقْتِضَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إِنَّ مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ وَرِقٌ وَلَا عَرَضٌ وَلَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَتْ إِحْدَى الذَّهَبَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى وَيَكُونُ الْعَرَضُ مِنْ الْعَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ كَانَ الذَّهَبَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِينَارَيْنِ بِدِينَارٍ وَيَجْعَلَ مَعَ الدِّينَارِ ثَوْبًا أَوْ طَعَامًا أَوْ وَرِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ الدِّينَارِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَبِيحٌ وَمَمْنُوعٌ لِنَفْسِهِ وَلِفَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي مَعَ الدِّينَارِ مُقَسَّطَةٌ مَعَ دِينَارِهَا عَلَى الدِّينَارَيْنِ فَيُصِيبُ كُلُّ دِينَارٍ نِصْفَ دِينَارٍ وَنِصْفَ السِّلْعَةِ وَرُبَّمَا كَانَتْ السِّلْعَةُ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الدِّينَارِ أَوْ أَقَلَّ قِيمَةً فَيُقَابِلُ أَكْثَرَ الدِّينَارَيْنِ أَوْ أَقَلَّهُمَا ، وَيُقَابِلُ الْبَاقِيَ مِنْ الذَّهَبِ الَّتِي مَعَ السِّلْعَةِ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِهَا أَوْ أَكْثَرُ وَلِهَذَا مَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالذَّرَائِعِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَمْنُوعٌ لِلذَّرِيعَةِ إِلَى الْحَرَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالذَّرَائِعِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِثْقَالِ قِيمَتَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مُفْرَدًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِرَارًا لِيُجِيزَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ لِيُجِيزَ الْمَحْظُورَ الْمَمْنُوعَ بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بَاعَ دِينَارًا رَدِيئًا بِدِينَارَيْنِ جَيِّدَيْنِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْطِيَهُ بِذَلِكَ الدِّينَارِ نِصْفَ دِينَارٍ جَيِّدٍ جَعَلَ مَعَ الدِّينَارِ مَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارِ الْجَيِّدِ مِرَارًا وَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلدِّينَارِ الْجَيِّدِ فَيَكُونُ فِي الظَّاهِرِ قَدْ أَعْطَاهُ دِينَارًا رَدِيئًا بِدِينَارٍ جَيِّدٍ وَأَعْطَاهُ السِّلْعَةَ بِالدِّينَارِ الْآخَرِ الْجَيِّدِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا أَعْطَاهُ الدِّينَارَ الرَّدِيءَ بِنِصْفِ دِينَارٍ جَيِّدٍ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ مِنْ الذَّهَبِ الْجَيِّدِ وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الدِّينَارَ مُفْرَدًا لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الدِّينَارَ الرَّدِيءَ الَّذِي مَعَ السِّلْعَةِ لَوْ بَاعَهُ مُفْرَدًا لَمْ يُعْطِهِ بِهِ الدِّينَارَ الْجَيِّدَ مِنْ الدِّينَارَيْنِ وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِ السِّلْعَةَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى أَخْذِ بَعْضِ دِينَارٍ جَيِّدٍ بِدِينَارٍ رَدِيءٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ مُدَّيْ عَجْوَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تُفْرَضُ فِيمَنْ بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ إِنَّ مَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَيُحْتَسَبُ بِالْقِرْطَاسِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ وَتَكُونُ الْمِائَةُ بَاقِيَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ بِالْمِائَةِ الَّتِي فِي الْقِرْطَاسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدِ الْأَنْصَارِيِّ يَقُولُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَمَرَ بِنَزْعِ الْخَرَزِ وَافِرَادِ الذَّهَبِ لِيُمْكِنَ بَيْعُهُ وَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ مِنْ الْخَرَزِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى وَزْنِهِ ثُمَّ قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ إفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِيهِ الْوَزْنُ بِالْوَزْنِ .
( مَسْأَلَةٌ ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبَيْنِ شَيْءٌ تَسَاوَيَا أَوْ اخْتَلَفَا فَلَا يَجُوزُ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ الدِّينَارَانِ مُتَسَاوِيَانِ وَالدِّرْهَمَانِ كَذَلِكَ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عِوَضِ الذَّهَبِ مَا لَيْسَ بِذَهَبٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْمَلَهُمَا بَيْعٌ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ .
( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إِنَّ مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ وَأَحَدُ الذَّهَبَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِمِقْدَارِ الْجَيِّدِ مِنْ الرَّدِيءِ لَمْ تَجُزْ الْمُرَاطَلَةُ وَلَا الْمُبَايَعَةُ كُلُّهَا وَإِنْ عَلِمَ مِقْدَارَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ مِنْ جِنْسِ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ مُسَاوِيَةً لَهَا فِي الْجَوْدَةِ وَالنَّفَاقِ أَوْ لَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا مُسَاوِيَةً لَهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الذَّهَبُ الَّتِي مَعَهَا أَفْضَلَ أَوْ أَدْوَنَ وَهَذَا لَا وَجْهَ فِيهِ لِمَنْعِ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ مُسَاوَاةَ إِحْدَى الذَّهَبَيْنِ الذَّهَبَ الَّتِي فِي عِوَضِهَا تَنْفِي التُّهْمَةَ الَّتِي تَلْحَقُ مِنْ جِهَةِ التَّقْسِيطِ فَمَوْجُودٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ التَّقْسِيطُ عَلَى وَجْهِ الذَّرِيعَةِ وَالتُّهْمَةِ فِي ذَلِكَ فَيَبْعُدُ أَيْضًا وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ رَدَاءَةُ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ مِنْ غِشِّ نُحَاسٍ فِيهَا وَإِنَّمَا هِيَ الرَّدَاءَةُ فِي غِشِّ الذَّهَبِ فَإِنْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً بِنُحَاسٍ لَمْ تَجُزْ الْمُرَاطَلَةُ بِهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَنَّ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ بِالذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ .
( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسَاوِيَةٍ لَهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الذَّهَبَانِ أَفْضَلَ أَوْ أَدْنَى مِنْ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ أَوْ يَكُونَ إِحْدَى الذَّهَبَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْمُفْرَدَةِ وَالثَّانِيَةُ أَدْنَى مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ أَوْ أَدْنَى فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَفْضَلَ وَالْأُخْرَى أَدْنَى فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْسِيطِ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى الذَّهَبَيْنِ اللَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْهَا وَالْأُخْرَى أَدْنَى مِنْهَا فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إِلَى التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ أَوْ يُمْنَعُ ذَلِكَ لِلتُّهْمَةِ فِي قَصْدِ ذَلِكَ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ هُنَا دُونَ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الذَّهَبَيْنِ مُسَاوِيَةً لَهَا وَالْأُخْرَى أَفْضَلَ وَأَدْنَى فَإِنَّ التُّهْمَةَ تَضْعُفُ فِيهِمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ .
( مَسْأَلَةٌ ) وَلَوْ كَانَتْ دَرَاهِمُ سُودٌ بِدَرَاهِمَ بِيضٍ دُونَهَا وَمَعَ السُّودِ فِضَّةٌ كَفِضَّةِ الْبِيضِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِنَقْصِ السِّكَّةِ يُرِيدُ أَنَّ نَقْصَ السِّكَّةِ فِي فِضَّةِ الْبِيضِ إنَّمَا سُومِحَ فِيهِ لِفَضْلِ السُّودِ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْبِيضِ فَرَاعَى السِّكَّةَ مَعَ التَّنَاجُزِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .