و عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتَمْرٍ فَقَالَ « مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا » . فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا » . (1)
و عَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ أَيَدًا بِيَدٍ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْتُ إِنِّى سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ أَيَدًا بِيَدٍ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَالَ أَوَقَالَ ذَلِكَ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلاَ يُفْتِيكُمُوهُ قَالَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ « كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا » . قَالَ كَانَ فِى تَمْرِ أَرْضِنَا - أَوْ فِى تَمْرِنَا - الْعَامَ بَعْضُ الشَّىْءِ فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ. فَقَالَ « أَضْعَفْتَ أَرْبَيْتَ لاَ تَقْرَبَنَّ هَذَا إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَىْءٌ فَبِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِى تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ » . (2)
(1) - صحيح مسلم برقم (4168 )
التمهيد - (ج 20 / ص 56)
وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمان بن عوف فذكره بإسناده مثله سواء فاتفق ابن عيينة وسليمان بن بلال والدراوردي فيه على عبد المجيد وكذلك قال جمهور رواة الموطأ عن مالك فيه عبد المجيد وهو الحق الذي لا شك فيه إن شاء الله مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمان بن عوف عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل تمر خيبر كهذا فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا قال أبو عمر ذكر أبي هريرة في هذا الحديث لا يوجد من غير رواية عبد المجيد بن سهيل هذا وإنما يحفظ هذا الحديث لأبي سعيد الخدري كذلك رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري من رواية حفاظ أصحاب قتادة هشام الدستوائي وابن أبي عروبة وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وعقبة ابن عبد الغافر عن أبي سعيد الخدري وكذلك رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري وروى الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل في هذا الحديث إسنادين أحدهما عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة كما روى مالك وغيره والآخر عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله سواء ولا نعرفه بهذا الإسناد هكذا إلا من حديث الدراوردي وكل من روى حديث عبد المجيد بن سهيل هذا عنه بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم ذكره في آخره وكذلك الميزان إلا مالك فإنه لم يذكره في حديثه هذا وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه كل يقول على أصله إن ما داخله الربا في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن والكيل والوزن عندهم في ذلك سواء إلا أن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلا وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنا وما كان أصله الكيل فبيع وزنا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك وأما ما كان موزونا فلا يجوز أن يباع كيلا عند جميعهم لأن المماثلة لا تدرك بالكيل إلا فيما كان كيلا لا وزنا اتباعا للسنة قال صلى الله عليه و سلم البر بالبر مدي بمدي وقد تدرك المماثلة بالوزن في كل شيء وقد اجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبه ذلك لا يجوز شيء من ذلك كله كيلا بكيل بوجه من الوجوه فكذلك كل موزون لا يباع كيلا بكيل على حال من الأحوال وأجمع العلماء أيضا أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلا بمثل وسواء فيه الطيب والدون وأجناس التمور كلها لا يجوز بيع شيء منها بشيء إلا مثلا بمثل كيلا بكيل والتمر كله على اختلاف أنواعه صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه في البيع والمساومة بوجه من الوجوه وكذلك البر والزبيب وكل طعام مكيل من قطنية أو غيرها لا يجوز شيء من ذلك كله بشيء من جنسه إلا مثلا بمثل وقد تقدم في مواضع من كتابنا هذا أصول الربا في المأكولات والمشروبات والمكيلات والموزونات وكيف يجري الربا منها في الجنس الواحد وغيره وما للعلماء في ذلك كله من الاعتلال والمذاهب وما جعله كل واحد منهم أصلا في هذا الباب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا وأما الجنيب من التمر فقيل هو الجنس الواحد غير المختلط والجمع المختلط وقيل الجنيب المتخير الذي قد اخرج عنه حشفه ورديئه وبيع التمر الجمع بالدراهم وشراء الجنيب بها من رجل واحد يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم والشراء بتلك الدراهم ذهبا من رجل واحد في وقت واحد والمراعاة في ذلك كله واحدة فمالك يكره ذلك على أصله وكل من قال بالذرائع كذلك وغيره يراعى السلامة في ذلك ولا يفسخ بيعا قد انعقد إلا بيقين وقصد وبالله التوفيق وأما سكوت من سكت من المحدثين في الحديث عن ذكر فسخ البيع الذي باعه العامل على خيبر فلأنه معروف في الأصول أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه ولا بد من فسخه وقد جاء الفسخ فيه منصوصا في هذا الحديث ذكر مسلم بن الحجاج قال حدثنا مسلمة بن الحجاج قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا الحسن بن أعين قال حدثنا معقل عن أبي قزعة الباهلي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بتمر فقال ما هذا التمر من تمرنا فقال الرجل يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ولو لم يأت هذا منصوصا احتمل ما ذكرنا واحتمل أن يكون عامل خيبر فعل هذا على أصل الإباحة التي كانوا عليها ثم نزل عليه صلى الله عليه و سلم تحريم الربا بعد عقد صفقته على أصل ما كان عليه كما قال سعيد بن جبير كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا يريد فما لم يؤمروا ولم ينهوا نفذ فعلهم وبالله التوفيق
(2) - صحيح مسلم برقم ( 4170 )
شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 461)
2988 - قَوْله: ( سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْف فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ ) وَفِي رِوَايَة: ( سَأَلْت اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا قَالَ: فَسَأَلْت أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا فَأَنْكَرْت ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَذَكَرَ أَبُو سَعِيد حَدِيث نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ، وَذَكَرْت رُجُوع اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ إِبَاحَته إِلَى مَنْعه ) وَفِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ، وَفِي رِوَايَة: ( إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ، وَفِي رِوَايَة: ( لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ )
مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ ، وَدِينَار بِدِينَارَيْنِ ، وَصَاع تَمْر بِصَاعَيْنِ مِنْ التَّمْر ، وَكَذَا الْحِنْطَة وَسَائِر الرِّبَوِيَّات ، كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُم فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَة ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله: إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، يَعْنِي الصَّرْف مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَكَانَ مُعْتَمَدهمَا حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد ( إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ثُمَّ رَجَعَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِين بَلَغَهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رُجُوعهمَا صَرِيحًا .
وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة ، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ .
وَأَمَّا حَدِيث أُسَامَة ( لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة ) فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى نَسْخه .
وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَات:
أَحَدهَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الرِّبَوِيَّات ، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْن بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُون لَهُ عِنْده ثَوْب مَوْصُوف ، فَيَبِيعهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوف مُؤَجَّلًا ، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ .
الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلِفَة ، فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُل ، بَلْ يَجُوز تَفَاضُلهَا يَدًا بِيَدٍ .
الثَّالِث: أَنَّهُ مُجْمَل ، وَحَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْرهمَا مُبَيِّن ، فَوَجَبَ الْعَمَل بِالْمُبَيِّنِ ، وَتَنْزِيل الْمُجْمَل عَلَيْهِ . هَذَا جَوَاب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه .