فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 1226

وعقد النبي صلّى الله عليه وسلم موازنة بين العمل والاستجداء فقال: « لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيذهب به إلى الجبل، ثم يأتي به فيحمله على ظهره، فيأكل، خير له من أن يسأل الناس» (1) « لاتزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى، وليس في وجهه مُزْعة لحم » (2) « اليد العليا خير من اليد السفلى » (3) « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير » (4) « لاتحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سوي » (5) .

كل هذه الآيات والأحاديث النبوية تدل على تقديس الإسلام للعمل وتقدير تأثيره في الحياة الاقتصادية، وإن من حق العمال أن يتقاضوا من الأجور بقدر مايبذلونه من جهود، وبما يتفق مع خبراتهم ومواهبهم، فالكفاية وحدها، والمقدرة وحدها، هما معيار أهلية الفرد، وبذلك كفل الإسلام تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الناس كافة في السعي، والجد المشروع في اكتساب المعاش والتماس الرزق، ولكن لاتشترط المساواة في ثمار هذا السعي؛ لأن الإسلام لايقول بالمساواة في الرزق نفسه، ولايعقل بل من الظلم الفاحش عدم الاعتراف بالتفاوت الفطري بين الأفراد في الإمكانات والمواهب والجهود، قال الله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف:32/43] {والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل:71/16] .

إن العمل في تقدير الإسلام سبب لملكية العامل نتيجة عمله. وتكون القاعدة في الإسلام: ( أن العمل سبب الملكية ) لا قاعدة ( أن العمل سبب لتملك المجتمع لا الفرد ) أو قاعدة (أن العمل سبب لقيمة المادة، وبالتالي سبب تملك العامل لها) . ويشترك العمل أحيانًا مع رأس المال المستثمر في كسب الملكية كما في شركة المضاربة، وكما تقرر نظرية كينز، فالعامل يتملك الربح بسبب عمله في المضاربة ورب المال يستثمر ماله ويشغله، فيكون ربح العامل بسبب جهده، وربح رب المال بسبب رأسماله الذي يحرك عجلة التجارة، كما أن ماله سبب في انتعاش السوق الاقتصادية، وفي ربح العامل بدون مشاركة في الخسارة، وإنما رب المال يتحمل وحده الخسارة التي هي حالة اضطرارية وغير غالبة.

وإذا كان ابن خلدون مؤسس علم الاقتصاد ومن بعده ريكاردو وما ركس واضع نظرية الاشتراكية العلمية يرون أن العمل أساس القيمة، أي أن قيمة السلع والأشياء تتحدد بقيمة العمل الداخل فيها أو ساعات العمل التي بذلت في صنعها، فإن النظرية الإسلامية تجعل قيمة السلعة تتحدد بحسب العرض والطلب الواقعين عليها مع التزام مبدأ السعر العادل، وفي ظل من رقابة الدولة على تطبيق العدالة، أي أن قيمة الأشياء تتدخل فيها اعتبارات الندرة في المال، وسعر السوق النسبي، بحسب حاجة الشخص للسلعة وهو ما يريده الفقهاء من سعر المثل. وإذا كان مبدأ الاشتراكية في التوزيع (من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله) فإن مبدأ الإسلام (لكل حسب عمله، أو حسب حاجته) إذ قد يعجز الإنسان عن العمل، فتلتزم الجماعة بإغنائه وتوفير حاجياته رحمةً به، وتكريمًا لإنسانيته.

خامسًا ـ مبدأ تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للأفراد:

الكلام في تدخل الدولة وحدود هذا التدخل يتضح فيما يأتي:

1 -رقابة الدولة على أعمال الأفراد:

يقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (6) في هذا الحديث دلالة واضحة على أن الدولة مسؤولة عن كل شيء يجري في داخلها. فلها الإشراف على نشاط الأفراد العام، ولها حق التدخل بالمصالح الخاصة لحماية المصالح العامة وكفالة تطبيق وتنفيذ الشريعة، ولها محاسبة الموظفين وأصحاب الولاية والسلطة في نواحي الدولة. ويمكنها أن تحاكمهم على أساس المبدأ القائل: (من أين لك هذا) . ليتبين الوجه المشروع لكسب المال. ولقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يحاسب ولاته ويشاطر عماله كما فعل مع عمرو بن العاص عامله على مصر، حينما شك في ماله وكسبه وطريقة إنمائه، وشاطر خالد بن الوليد أمواله، حتى زوجي نعله، وللدولة أن تراقب أرباب الأموال في كيفية استثمار أموالهم، فإذا جنحوا إلى تعطيل استثمار المال، جاز اتخاذ التدابير التي تحمي المصلحة العامة، فإذا وضع امرؤ يده على أرض موات بقصد إحيائها وتعميرها واستصلاحها وهو ما يعرف بالاحتجار، ثم لم يقم بواجبه جاز سلخها عنه وإعطاؤها لغيره، قال صلّى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» (7) « ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين» (8) لأنه لا بد من مداومة استثمار المال، حتى لا يؤدي الإهمال إلى فقر المال والإضرار بمصالح المجتمع وإفقار الأمة وخسارة الدخل القومي العام وضآلة الإنتاج.

وإذا حاول الناس تركيز استثمار أموالهم في نشاط اقتصادي معين، كان لولي الأمر حق التدخل بما يراه من إجراءات لتوزيع الناس أموالهم بين مختلف مصادر الإنتاج ( وهي الأرض والعمل والمال ) ، وعندئذ تضمن الدولة الحد الأدنى من إنتاج السلع الضرورية، والحد الأعلى الذي لا يجوز التجاوز عنه. وإذا تضخمت الثروة في أيدي فئة قليلة من المواطنين، ثم ثبت عجز أصحابها عن استثمارها، كان للحاكم أن يتدخل في استثمار الأموال أو وضعها تحت ولاية الدولة بما يدرأ الضرر العام عن المجتمع، كإلزامهم باتباع الأساليب الرشيدة في استثمار الأموال، ووضعها تحت ولاية الدولة لضمان تشغيلها بما ينفع البلاد.

2 -إقرار الملكية الجماعية:

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: «الناس شركاء في ثلاث» وفي رواية: «في أربع: الماء والكلأ والنار والملح» (9) والنص على هذه الأمور فقط لأنها كانت من ضروريات الحياة في بيئة العرب، فهي مباحة لجميع الناس، والدولة هي التي تمثل مصالح الجماعة، فلها وضع اليد عليها، وعلى كل الأشياء الضرورية التي تعتبر من قبل الثروات الطبيعية الخام، والصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الأولية، والاستيلاء على المرافق العامة والتي تتغير وتتبدل وتتطور بحسب البيئات والعصور، مثل مختلف الأنهار العامة، والمعادن والنفط ولو وجدت في أرض مملوكة ملكية خاصة، والكهرباء، والمنشآت العامة ونحوها من المرافق الحيوية الأساسية لمصلحة الجماعة. ومما يؤيد وجود الملكية الجماعية: أن النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد اعتبروا بعض الأراضي كالنقيع والرَّبذَة (موضعين قرب المدينة) حمىً في سبيل الله لترعى فيها خيل المسلمين، أي من أجل الصالح العام وهو المعروف بـ (الحمى) قال عليه الصلاة والسلام: «لاحمى إلا لله ولرسوله» (10) أي لا حمى لأحد الأشخاص العاديين.

3 -التأميم أو نزع الملكية الخاصة:

(1) - أخرجه أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) - أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(3) - أخرجه أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو حديث صحيح.

(4) - أخرجه أبو الشيخ ابن حبان وفي مسند الفردوس للديلمي عن أنس رضي الله عنه، لكنه ضعيف.

(5) - أخرجه أبو داود والترمذي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، والمرة: القوي ، والسوي: المستوي الخلق، التام الأعضاء.

(6) - أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(7) - أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

(8) - أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب رحمه الله ، ولكنه ضعيف.

(9) - أخرجه أحمد وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الطبراني عن ابن عمر.

(10) - أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود عن الصعب بن جثّامة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت