أوجب الإسلام الاعتدال في النفقة لقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملومًا محسورًا} [الإسراء:29/17] فلا يكون التقتير مقبولًا لما يترتب عليه من اكتناز الثروات الضخمة الذي يحول بدوره دون توفر نشاط تداول الأموال، الذي هو أمر ضروري لانتعاش الحياة الاقتصادية في كل مجتمع، فحبس المال تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين، قال الله سبحانه وتعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم} [التوبة:34/9] .
وكذلك يحرم الإسلام الإسراف وتبذير الأموال من دون وجه مشروع أو يؤدي إلى الضرر ولو في سبيل الخير، قال الله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء:27/17] فالتبذير طريق الفقر الذي يصبح به المبذر في النهاية عالة على المجتمع، مما ينذر بمخاطر اجتماعية سيئة، فضلًا عن أن التبذير سبيل لغرس الأحقاد والبغضاء بين الناس والمحرومين، وهكذا أوضح الإسلام مبدأ سياسة الاعتدال في الاستهلاك والادخار، فقال الله سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31/7] .
4 -ليس المال سبيلًا إلى الجاه والسلطان:
حظر الإسلام على أرباب الأموال استخدامها في هضم الحقوق عن طريق الرشوة أو للتوصل إلى منصب سياسي أو جاه أو وظيفة ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة:188/2] وفي هذا إيصاد الباب أمام ما تفعله التكتلات الاحتكارية والشركات العالمية في التأثير على السياسة الداخلية والخارجية في الدول الرأسمالية..
5 -توزيع المال بعد الوفاة مقيّدٌ بنظام الإرث:
ليس المرء حرًا بالتصرف في ماله بعد وفاته حسبما يشاء كما هو مقرر في النظام الرأسمالي، وإنما هو مقيد بنظام الإرث الذي يعتبر في الإسلام من قواعد النظام الإلهي العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها، فالإرث حق جبري، ولا يجوز الإيصاء بأكثر من ثلث المال، ولا يصح تفضيل بعض الورثة على حساب الآخرين، أو حرمان وارث أو الإضرار بالدائنين، وللسلطة القضائية الحق في إبطال التصرفات غير الشرعية في الإرث والوصية، فيكون تشريع الإرث عاملًا مهمًا من عوامل تفتيت الثروات الضخمة، وتوزيع الملكيات والقضاء على التفاوت الفاحش بين الطبقات.
ثالثًا ـ مبدأ الحرية الاقتصادية:
إذا كان مبدأ الاعتراف بالملكية المزدوجة (الخاصة والجماعة) وبمبدأ الملكية الفردية المقيدة بقيود كثيرة هو الركن الأول من أركان الاقتصاد الإسلامي كما تقدم، فإن مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة في حدود معينة هو الركن الثاني من أركان هذا النظام، وليست هذه الحرية مطلقة غير محدودة كما في النظام الرأسمالي، ولا هي غير موجودة كما في النظام الاشتراكي، وإنما هي مقررة ضمن حدود معينة، بقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (1) .
ولقد نادى ابن خلدون بمبدأ الاقتصاد الحر، وحبَّذ الإسلام نظام المنافسة الكاملة الشريفة الذي يمنع فيه الاحتكار، والذي يتحدد فيه ثمن السلع طبقًا لمساومات البائعين والمشترين دون تدخل من جانب الدولة، إلا أن هذا كان في عصر صدر الإسلام حيث كانت صفات الورع والتقوى والتدين لها السيطرة المطلقة على النفوس، ثم أفتى الفقهاء السبعة في المدينة بجوار تدخل الدولة لتسعير الحاجيات ووضع حد لجشع التجار، ومنع الغبن، لأنه يجب أن يكون الثمن عادلًا غير مجحف بالبائع والمشتري. وبه يتبين أن مبدأ الحرية الاقتصادية أصبح مقيدًا فيما يجيزه تشريع الإسلام من نشاط اقتصادي اجتماعي للأفراد، ولايجوز للإنسان الخروج عليه كالتعامل بالربا والاحتكار ونحو ذلك.
كما أن هذا المبدأ مقيد بالرقابة الحازمة للدولة وإشراف الحاكم على النشاط العام، وتوجيهه وجهة تتمشى مع حفظ المصالح العامة، ومنع الضرر عن الجماعة، حسبما يقدر الاقتصاديون المتخصصون، قال الله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء:59/4] وأولو الأمر: هم الحكام والعلماء المختصون، فما يقرره أهل الخبرة واجب الطاعة لحماية الأمة، وللحفاظ على كيان الدولة، ولتحقيق مبدأ التوازن الاجتماعي الإسلامي على وفق ما تقرره الشريعة.
رابعًا - قيمة العمل ودوره في الحياة الاقتصادية وأثره على أثمان الأشياء:
العمل شرف ومجد وفريضة على كل قادر عليه، ولقد حث الإسلام عليه، وحارب الكسل والخمول والبطالة والتسول؛ لأن الفقر مذلة ومرض اجتماعي خطير، وتنفير الإسلام منه لأنه يضر بالمصلحة العامة، فالأمة قوية بقوة أفرادها، ضعيفة بضعف أبنائها ، قال عليه الصلاة والسلام: « كاد الفقر أن يكون كفرًا » (2) واعتبر الإسلام العمل هو الوسيلة المفضلة الأغلبية للتملك، وأن لاعمل من غير أجر، وأن الأجر على قدر العمل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: « أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده » (3) ، « ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (4) « من أمسى كاَّلا ـ أي متعبًا ـ من عمل يده أمسى مغفورًا له » (5) « إن الله يحب العبد المحترف » (6) « طلب الحلال فريضة بعد الفريضة » (7) « إن من الذنوب ذنوبًا لايكفّرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، يكفرها الهموم في طلب المعيشة » (8) « إن أطيب ماأكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (9) ... وقال عمر رضي الله عنه « والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فإن من قصَّر به عمله لم يسرع به نسبه » وهذه الأحاديث النبوية مستمدة من القرآن الكريم وملتقية معه. قال الله تعالى: { ولكلٍ درجاتٌ مما عملوا وليوفيهم أعمالهم، وهم لايُظلمون } [الأحقاف:19/46] { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } [هود:85/11] { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } [الملك:15/67] {فابتغوا عند الله الرزق} [العنكبوت:17/29] .
(1) - أخرجه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) إلا البخاري عن جابر رضي الله عنه بلفظ: « لايبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض » .
(2) - أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس، وسكت عنه السيوطي.
(3) - أخرجه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل: « أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرر » .
(4) - أخرجه أحمد والبخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه.
(5) - أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكنه ضعيف.
(6) - أخرجه الحكيم الترمذي والطبراني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما، لكنه ضعيف.
(7) - أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، لكنه ضعيف.
(8) - أخرجه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) - أخرجه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) عن عائشة رضي الله عنها.