وروى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: "نهى عن بيع الذهب بالورق دينًا".]البخاري 3/31 برقم 2180، 2181، وانظر شرح الموطأ للزرقاني 3/282[.
ومن الأحاديث السابقة اتضح لنا ما يأتي:
1 أن صرف الفضة بالفضة، والذهب بالذهب جائز. على أن يكون الصرف مثلًا بمثل، وسواءً بسواء، ويكون ذلك يدًا بيد أثناء وقت المصارفة.
2 أن صرف الذهب بالفضة، والفضة بالذهب جائز، على أن يكون الصرف يدًا بيد في وقت المصارفة، أما المفاضلة بين الذهب والفضة بحيث يكون الذهب أكثر من الفضة وزنًا، أو الفضة أكثر من الذهب وزنًا فلا مانع من ذلك، لكن بشرط أن يكون يدًا بيد في لحظة المصارفة.
3 أن شراء وبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، لا يجوز الدين في ذلك مطلقًا، فلو أراد شخص أن يصرف من المصرف عملة من الذهب بعملة من الذهب، وسلّم أحدهما عملته والآخر أجل تسليم عملته إلى أجل فهذا لا يجوز، لأنه فقد شرط المقابضة يدًا بيد. وكذلك الفضة بالفضة والذهب بالفضة والعكس كل ذلك لا يجوز فيه الدين مطلقًا.
الفصل الثالث: الحث عن الابتعاد عن الشبهات
لا شك أن المسلم دائمًا ينبغي أن يكون حريصًا على التزام أمور الشرع كلها، فيعمل الواجبات، ويترك المحرمات، والمكروهات، ويأخذ بالمستحبات، ويأخذ ويترك من المباحات على حسب حاله، وحاجته، ويبتعد عن الشبهات، لعلمه بأن الشبهات تؤدي إلى المحرمات.
عن النعمان بن بشير قال:(سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول - وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه: "إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".]البخاري 1/19 برقم 52، ومسلم 3/1219 برقم 1599[.
قال الإمام النووي رحمه الله: "أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: "الأعمال بالنية",وحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".]موطأ الإمام مالك 3/903[.
وقال أبو داود: الإسلام يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".]البخاري 1/9 برقم 13، ومسلم 1/67 برقم 45[.
وقيل حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".]سنن ابن ماجه 2/1374 برقم 4102، قال النووي: رواه ابن ماجه بأسانيد حسنة، انظر شرح النووي 11/28[.
قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه صلّى الله عليه وسلّم نبه فيه على إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه، وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل: بالحمى. ثم بيّن أهمّ الأمور وهو مراعاة القلب... فبيّن صلّى الله عليه وسلّم أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: "الحلال بيّن والحرام بيّن" فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام:
حلال بيّن واضح. لا يخفى حله كالخبز، والعسل...
وأما الحرام البيّن فكالخمر، والخنزير، والكذب...
وأما المشتبهات: فمعناه أنها ليست بواضحة الحل، ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها، بنصّ أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك...).] شرح النووي ببعض التصرف 11/28[.
وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله قول بعضهم:
عمدة الدين عندنا كلمات
مسندات من قول خير البرية
اترك الشبهات، وازهد، ودع
ما ليس يعنيك، واعملن بنية
نسأل الله أن يعصمنا مما يغضبه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
الباب الرابع
فتاوى في مسائل من الربا المعاصر
المسألة الأولى: العملة الورقية وأحكامها من الناحية الشرعية.
المسألة الثانية: مسألة الحيلة الثلاثية.
المسألة الثالثة: بيع المداينات بطريقة بيع وشراء البضائع وهي مكانها.
المسألة الرابعة: صرف العملة إلى عملة أخرى.
المسألة الخامسة: بيع الذهب المستعمل بذهب جديد مع دفع الفرق.
المسألة السادسة: بيع الذهب أو الفضة دينًا.
المسألة السابعة: المساهمة في شركات التأمين.
المسألة الثامنة: التعامل مع المصارف الربوية.
المسألة التاسعة: التعامل مع البنوك الربوية والعمل فيها.
المسألة العاشرة: التأمين في البنوك الربوية.
المسألة الحادية عشرة: شراء أسهم البنوك.
المسألة الثانية عشرة: العمل في المؤسسات الربوية.
المسألة الثالثة عشرة: فوائد البنوك الربوية.
المسألة الرابعة عشرة: قرض البنك بفوائد سنوية.
المسألة الخامسة عشرة: القرض بعملة والتسديد بأخرى.
المسألة السادسة عشرة: القرض الذي يجرّ منفعة.
المسألة السابعة عشرة: التأمين التجاري والضمان البنكي.
المسألة الأولى: العملة الورقية وأحكامها من الناحية الشرعية:
صدر في هذه المسألة قرار المجمع الفقهي الذي نصه على النحو الآتي:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدّم إليه في موضوع العملة الورقية، وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرّر ما يلي:
أولًا: إنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة.
وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل.
وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوم الأشياء في هذا العصر، لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سرّ مناطها بالثمنية.
وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، يقرّر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه، فضلًا ونسيًا، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا، باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليهما، وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.
ثانيًا: يعتبر الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلًا ونسيًا كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان.
وهذا كله يقتضي ما يلي: