فهرس الكتاب

الصفحة 1100 من 1226

ولا يستدل على حرم ربا القرض بخبر: كل قرض جر نفعا فهو ربا لأن هذا الخبر ليس له إسناد صحيح ولا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

جاء في المغني لابن قدامة رحمه الله: (كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف, قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو هدية فاسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك يكون ربا) .

أم المنفعة التي تجعل عقد القرض المشتمل عليها أحد أنواع الربا فيشترط فيها ما يلي:

• أن تكون مادية: كما في المثال السابق في التعريف, أم المنفعة المعنوية كالشكر والذكر الحسن في عقد القرض فلا تجعله الربا.

• أن تكون مشروطة: فالمنفعة الغير مشروطة التي هي من باب حسن القضاء فلا تخرجه من القرض إلى الربا.

• أن تكون خاصة: فالمنفعة المشتركة في جمعيات القروض الحسنة لا تؤثر في مشروعية عقد القرض وتبقى المعاملة في دائرة القرض الحسن.

والمراد بجمعيات القروض الحسنة هي أن يتفق مجموعة من الأشخاص على تشكيل جمعية تعاونية يدفع بموجب هذا الاتفاق كل مشترك مبلغًا متساويًا من المال على أساس القرض الحسن, بحيث يعطى مجموع القروض لأحدهم كل شهر. فمثل هذه الجمعيات مباحة شرعًا لأن منفعة الاستقراض فيها عامة وليس خاصة.

الباب الثالث

ما يجوز فيه التفاضل والنسيئة

الفصل الأول: ما يجوز فيه التفاضل والنساء.

الفصل الثاني: الصرف وأحكامه.

الفصل الثالث: الحثّ على الابتعاد عن الشبهات.

الفصل الأول: ما يجوز فيه التفاضل والنساء

أ جواز التفاضل إذا انتفت العلة:

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "أجمع العلماء على جواز بيع ربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا، ومؤجلًا؛ وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل.

وأجمعوا كذلك على أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد؛ كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا".]شرح النووي ببعض التصرف 11/9[.

ب جواز التفاضل في غير المكيلات، والموزونات:

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة) .]البخاري 3/41، وانظر: الفتح 4/419[.

قلت: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ فذهب الجمهور من علماء الأمة إلى الجواز واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، فعنه رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أبعث جيشًا على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل، وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم قال: فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ابتع علينا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذ هذا البعث" قال: فكنت أبتاع البعير بالقلوصين والثلاث من إبل الصدقة إلى محلها. حتى نفذ ذلك البعث قال: فلما حلت الصدقة أداها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.]مسند الإمام أحمد 2/216، وانظر سنن أبي داود 3/250 برقم 3357[.

وعن جابر رضي الله عنه قال: جاء عبد فبايع النبي صلّى الله عليه وسلّم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد، حتى يسأله (أعبد هو) ؟ ]مسلم 3/1225 برقم 1602، وانظر: شرح النووي 11/39[.

وهذا فيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة، وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدًا، وكذا حكم سائر الحيوانات.]انظر: شرح النووي 11/39[.

فإن باع عبدًا بعبدين، أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل فالراجح الجواز كما سبق. وهذا هو مذهب الشافعي والجمهور.]انظر: شرح النووي 11/39[.

فظهر مما تقدم أن الراجح في بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، ونسيئة هو الجواز. والآثار عن بعض الصحابة والتابعين تدلّ على جواز ذلك. قال البخاري - رحمه الله - في صحيحه:

1 "اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة" ]مكان بين مكة والمدينة معروف بالربذة[.

2 واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، أعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدًا رهوًا إن شاء الله.

3 وقال ابن عباس: "قد يكون البعير خير من البعيرين".

4 وقال ابن المسيب: "لا ربا في البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل" ]انظر صحيح البخاري 3/41، والفتح 4/419 فكل هذه الآثار هناك[.

الفصل الثاني: الصرف وأحكامه

أ المراطلة:

المراطلة: مفاعلة من الرطل.

وهي عرفًا: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضلة وزنًا.]انظر شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 3/284[.

قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق مراطلة.

إنه لا بأس بذلك؛ أن يأخذ أحد عشر دينارًا بعشرة دنانير، يدًا بيد؛ إذا كان وزن الذهبين سواء عينًا بعين، وإن تفاضل العدد، والدراهم أيضًا في ذلك بمنزلة الدنانير".]موطأ الإمام مالك 2/638[.

فعلى هذا فالمعتبر في بيع الذهب بالذهب، وبيع الورق بالورق هو الوزن لا العدد. فلو كان عند رجل عشر قطع من الذهب ثم باعها بخمس قطع من الذهب، والوزن لعشر القطع يساوي وزن خمس القطع، فهذا جائز وهذا ما قصده الإمام مالك بالمراطلة.

ب الصرف:

لا شك أن الصرف مما يحتاج إليه الناس، لتحويل العملات من عملة إلى عملة أخرى، فلما كان الأمر كذلك لم يغفله الإسلام؛ بل أوضحه للناس، الجائز منه وغير الجائز.

عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم. قال طلحة بن عبيد الله - وهو عند عمر بن الخطاب - أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، فقال عمر ابن الخطاب: كلا والله لتعطينه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "الورق بالذهب ربا إلا هاء، وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء، وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء، وهاء".]البخاري 3/30 برقم 2174، والموطأ 3/636، ومسلم 3/1210 برقم 1586[.

قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء: ومعناه التقابض ففيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا في علة الربا. سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب، أم اختلف كذهب بفضة، ونبّه صلّى الله عليه وسلّم بمختلف الجنس على متفقه... وأما طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عندما أراد أن يصارف صاحب الذهب، فيأخذ الذهب ويؤخّر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنما قاله؛ لأنه ظن جوازه كسائر المبيعات وما كان بلغه حكم المسألة، فأبلغه إياه عمر رضي الله عنه فترك المصارفة".]شرح النووي 11/13[.

وعن سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني فقلت: هذا أمر لا يصلح قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته. فقال: قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: "ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا" وائت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته، فسألته، فقال مثل ذلك.]البخاري 3/31 برقم 2180، 2181، ومسلم 3/1212 برقم 1589[.

قال البخاري رحمه الله (باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد) ثم ذكر حديث أبي بكرة رضي الله عنه "نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء. وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا".]البخاري 3/31 برقم 2182[.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت