موقف الإسلام من الربا
الفصل الأول: تحريم الربا.
الفصل الثاني: ربا الفضل.
أ- تعريفه وحكمه.
ب- أسرار تحريم ربا الفضل.
ج- أسباب تحريم الربا وحكمه.
الفصل الثالث: ربا النسيئة.
أ - تعريفه.
ب - بعض ما ورد في ربا النسيئة من النصوص.
الفصل الرابع: ربا اليد.
الفصل الخامس: ربا القرض.
الفصل الأول: تحريم الربا
لقد بدت رحمة الله تعالى لعباده في رسالة الإسلام في وجوه عدة, منها التدرج في التشريع, فقد جاء الإسلام والعرب الذين اختارهم الله تعالى لحمل رسالته يكرهون كل ما يقيد حريتهم ويحدد من شهواتهم, وقد تمكنت من نفوسهم عادات كثيرة سيئة, وغرائز متنوعة لا يستطيعون التحول عنها دفعة واحدة, فاقتضت حكمة الله العليم الخبير ألا يفاجأوا بالتكاليف, وفي التحريم وفي المنع جملة, فتثقل بها كواهلهم, وتنفر منها نفوسهم, فلذلك سلك بهم مسلك الأناة والتدرج ليهيئ النفوس للقبول, فأنزل القرآن منجمًا مدة ثلاث وعشرين عامًا, فبعد أن رسّخ العقيدة في النفوس للقبول, وردت الأحكام شيئًا فشيئًا, ليكون السابق من الأحكام معدًا للنفوس ومهيأً لقبول اللاحق, وخاصّة حينما يكون الأمر بصدد محاربة بعض الرذائل التي تأصّلت في النفوس, وتوارثتها الأجيال خلفًا عن سلف, في أحقاب متطاولة.
فالإسلام في معالجته لهذه الأمراض المزمنة لا يأخذها بالعنف والمفاجأة, بل يتلطّف بالسير بها إلى الصلاح على مراحل مترتبة, متصاعدة, حتى يصل بها إلى الغاية المنشودة.
ومن هذه الرذائل والعادات التي كانت متأصلة في النفوس, وحاربها الإسلام وقضى عليها تدريجيًا, شرب الخمر, وأكل الربا.
فلم يكن تحريم الربا في القرآن الكريم مفاجأة على دفعة واحدة, ولكنّه كان تدريجيًا على مراحل أربع, كما حصل بالنسبة لتحريم الخمر.
فلقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في شأن الربا:
1.قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ]البقرة:275[.
2.وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} ]البقرة:278/279[.
3.وقال عز وجل: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُواْ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ]الروم:39[.
4.وعن جابر رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه"، وقال: "هم سواء" ]مسلم 3/1218 برقم 1597[.
5.وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فَرُدَّ حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا"]البخاري 3/11 برقم 2085، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 4/313.[
6.وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"]البخاري مع الفتح 5/393 برقم 2015، ومسلم برقم 89[.
7.عن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع يقول: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلّغت؟ قالوا: نعم، ثلاث مرات. قال: اللهم اشهد ثلاث مرّات"]سنن أبي داود 3/244 برقم 3334[.
8.وعن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة، والمستوشمة، وآكل الربا، وموكله، ولعن المصوِّر"]البخاري مع الفتح 4/426 برقم 2228[.
9.وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تشترى الثمرة حتى تطعم، وقال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله"]أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي 2/37[.
الفصل الثاني: ربا الفضل
أ- تعريفه وحكمه:
هو بيع أو مبادلة ربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين على الآخر. كمبادلة صاع تمر جيد بصاعين من الرديء. أو بيع درهم بدرهمين.
وقد ثبتت حرمته في السنة النبوية بقوله صلى الله عليه وسلم:
"الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء, يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".
"لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين".
والحكمة من تحريمه هي: اشتماله على زيادة بغير عوض. والتعامل بمثل هذا النوع من الربا نادر الحصول في أيامنا.
ب- أسرار تحريم ربا البيوع (ربا الفضل) :
أبرز العلماء في بحثهم تحريم ربا البيوع (الذي أسموه ربا الفضل) حكمة هامة ترجع إلى سد ذرائع ربا الديون, لكن جاءت الأبحاث الاقتصادية تبين لتحريم هذا النوع من الربا حكمًا وهي حكم جليلة تلفت النظر لإعجاز هذه الشريعة ودقة أحكامها ونلخص أهم هذه الأسرار فيما يلي:
•سد ذرائع الربا, وأحكام الغلق أما كل حيلة قد تسلك للتوصل إلى الربا, تطبيقًا للقاعدة الشرعية الجليلة (سد الذرائع) وهي مما امتازت به هذه الشريعة, حيث جاءت كاملة محكمة في تشريعها فلا تحرم شيئًا إلا وتسد منافذ الوصول إليه.
وبهذا الاعتبار فإن تحريم هذا الربا (ربا الفضل) يشتمل على الحكم السابقة لتحريم الربا, إضافة لأمور أخرى نذكر منها بعضًا فيما يلي.
•حماية عامة المسلمين الذين يذهب ربا الفضل بقيمة سلعهم الحقيقية, بسبب جهلهم بقيم السلع السوقية لكل نوع, وبسبب تفضيل كل واحد من المستهلكين نوعًا معينًا.
•إذا باع شخص شيئًا بجنسه مؤجلًا فهو بمثابة دين للمشتري, ويجب عليه مراعاة أحكام الديون في هذه الصورة,حتى لا يظلم أحد الطرفين الآخر, مثل أن يعطيه رديئًا ويشترط عليه أن يرد إليه جيدًا, أو يعطي في زمان رخصه ويشترط أن يرد إليه في زمن غلائه.
•إذا بيع جنس بآخر نساءً أي مؤجلًا, فإنه قد يلحق أحد الطرفين غبن كبير نتيجة للتقلبات المفاجئة في أسعار هذه السلع, أم البيع بالذهب أو الفضة مؤجلًا فيرجع أساسًا إلى ثبات قيمتها وقيمة النقود وبهذا الاعتبار أصبح النقد قادرًا على قياس الدفع المؤجل.