فهرس الكتاب

الصفحة 1077 من 1226

4-هناك من يقول: إن تحريم الربا يؤدي إلى شلل في الاقتصاد على مستوى الفرد والمجتمع، لأن معنى ذلك هو إلغاء المصارف، والعلاقات الاقتصادية القائمة في حياة الناس على أساس الربا ... مما يجعل من التحريم، أمرًا غير واقعي، ولا عملي، فلا يكون صالحًا للتطبيق، فلابد من تجميده في هذه الظروف من أجل مصلحة الإنسان التي قد تواجه بعض السلبيات في مقابل الكثير من الإيجابيات ..

ونجيب على ذلك، بأن كل حكم إسلامي، تحريمًا أو إيجابًا أو إباحة، لا يمكن أن نعرف واقعيته وعلاقته بالحل الشامل لمشكلة الإنسان، إلا من خلال مقارنته بالأحكام الأخرى التي تلتقي معه في إيجاد الحل؛ لأن الإسلام يمثل في أيّة مشكلة من مشاكل الواقع، كلاّ مترابط الأجزاء، أو هيكلًا متناسق الخصائص فيما يطلقه من تشريعات لتحقيق الحل الأفضل الشامل ... وهذا هو ما نفهمه في موضوع تحريم الربا فأننا لا نستطيع معرفة سلبياته وإيجابياته في نطاق النظام الرأسمالي الذي يمثل الربا العمود الفقري له ولا يمكن أن نفكر في إلغاء الربا، مع إبقاء العلاقات الاقتصادية على ما هي عليه، لأننا لا نتحدث عن التحريم على أساس الأمر الواقع بل من موقع العمل على تغيير النظام في قواعده وأسسه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي نعرف فيه الإيجابيات العملية لتحريم الربا في الخطة الإسلامية المتكاملة (27) .

5-وقال بعضهم: إن البنك ليس شخصًا مكلفًا، يتوجه إليه الأمر والنهي، وزعم أن الشرع لا يعرف (الشخصية المعنوية) وهو جهل قبيح. فقد عرض الشرع الشخصية المعنوية في (بيت المال) وفي (المسجد) و (الوقف) وغيرها, وجاء في أحاديث الزكاة في الصحاح اعتبار الخليطين في الماشية؛ بمثابة شخص واحد، وطرده بعض الفقهاء في كل الأموال، وهو ما أخذ به مؤتمر الزكاة المنعقد بالكويت، في اعتبار الشركات كالشخص الواحد. وكأن هذا القائل يبيح للشركات أن تروج الخمر، وتتاجر في الدعارة، وغيرها، لأنها ليست شخصًا مكلفًا!!

6-وقال من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لقي ربه ولم يبين ما هو الربا، ورووا في ذلك أثرًا عن عمر، وهم عادة لا يعنون بالآثار ولا يعتمدونها، وإن صح هذا فهو في صور ربا البيوع الجزئية, أما ربا النسيئة أو ربا الديون، فهو مما لا ريب فيه، ولا يختلف فيه اثنان.

وإني لأعجب لهؤلاء كيف يتصورون أن يحرم الله شيئًا، وينزل فيه من الوعيد الهائل ما لم ينزله في غيره، كما في قوله تعالى: ?ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ? [البقرة:275-279] .

وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «ما ظهر الزنى والربا في قرية إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» (28) ؛ فكيف سمع الصحابة رضي الله عنهم هذا كله، ولم يعرفوا ما هو الربا؟ ولم يسألوا عنه؟ وكيف لم يبينه لهم الرسول الكريم؟ والبيان-كما يقول العلماء- لا يجوز أن يتأخر عن وقت الحاجة؟ وكيف يكتمل الدين وتتم به النعمة إذا لم يتبين أهله المحرمات الكبيرة المتصلة بحياة الناس؟ وما معنى قوله تعالى: ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? [المائدة:3] ، لأن فقه المعاملات بصورة عامة إنما جاءت نصوصه بصفة عامة بصورة أوامر شاملة ليست تفصيلية، وهذا ما يراه كل مطلع، وعمومًا فإن القطعيات والثوابت لا يرد فيها نصوص تفصيلية أو ما يبين كل جزئيات المسائل، كما بينا ذلك في مقدمة هذا البحث.

ومما اتفق عليه هؤلاء المماحكون في تحريم الفوائد البنكية: ادعاؤهم أنه لا يوجد دليل على تحريم التحديد المقدم للأرباح في عقد المضاربة, ونقول لهؤلاء: بل هناك دليلان شرعيان مؤكدان:

أولهما: الإجماع الذي نقله ابن المنذر والنووي وابن قدامة وغيرهم على عدم جواز التحديد المقدم؛ ولم يشذ عن ذلك فقيه واحد، ولا مذهب من المذاهب.

وثانيهما: الأحاديث الصحاح التي جاءت في منع المزارعة بشيء معين، مثل ثمار قطعة معينة من الأرض، أو مقدار معين من الثمرة، خشية أن تسلم هذه القطعة ويهلك غيرها، أو العكس، فيكون لأحدهما الغنم يقينًا، وللآخر الغرم، وهذا ينافي العدالة المحكمة التي ينشدها الإسلام.

قال العلامة ابن قدامة: والمضاربة مزارعة في المعنى. وصدق رحمه الله، فالمضاربة مزارعة في المال، كما أن المزارعة مضاربة في الأرض.

الحق أني لم أجد للممارين المماحكين في الباطل في تحريم الفوائد أي منطق قوي، أو حجة مقنعة، إلا دعاوى أوهن من بيت العنكبوت. وحسبنا أن المجامع العلمية والفقهية الإسلامية، والمؤتمرات العالمية للاقتصاد الإسلامي والفقه الإسلامي كلها قد أجمعت على أن الفوائد البنكية هي الربا الحرام (29) .

مضار الربا من الناحية الاقتصادية:

إن مضار الربا من الناحية الاقتصادية تتجسد في صور من القروض، كالاستهلاكية والقروض الإنتاجية والقروض الحكومية من الداخل، ومنها:

أ - القروض الاستهلاكية: وهي قروض يطلبها الفقراء المتوسطون نتيجة لوقوعهم في مصيبة أو شدة لقضاء حاجاتهم الضرورية. ومن المعلوم فداحة السعر الربوي في هذا النوع من القروض، لأن المتصدي لهذا النوع هو المرابي الذي لا رقيب عليه في تقرير الفائدة، فالذي يقع في شرك هذا المرابي مرة لا يتخلص منه طول حياته، بل يكون العبء على أبنائه وأحفاده في سداد دينه.

وهذه العملية هي التي تمكن الرأسمالي من دخل العمال وتجعله مستبدًا به دونهم. ونتيجة لذلك تفسد أخلاقهم، ويقترفون الجرائم والدنايا، وهو يحط من مستوى المعيشة، ويقلل من كفاءاتهم ونشاطهم الذهني والبدني، وهذا ليس ظلمًا فحسب بل إنه ضرر على الاقتصاد الاجتماعي, على أن المرابي يسلب قوة الشراء من الفقير، وإذا فترت قوة الشراء تكدست البضائع في الأسواق ونتيجة لهذا التكدس تتوقف بعض المعامل من الإنتاج أو تقلله على الأقل، وبهذه العملية تنشأ البطالة لمئات من البشر، وهذه البطالة تعرقل نمو التجارة والصناعة.

ب - القروض الإنتاجية: وهذه القروض يأخذها التجار وأصحاب الصناعة والحرف لاستغلالها في الإنتاج المثمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت