فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 1226

ومهما كان فالربا كان منتشرًا في عصر الجاهلية انتشارًا كبيرًا وقد عدوه من الأرباح العظيمة - في زعمهم - التي تعود عليهم بالأموال الطائلة، فقد روى الإمام الطبري - رحمه الله -أنه قال: "كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه" (23) وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلّ أجل الدين قال (من هو له) (لمن هو عليه) : أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقدارًا في المال الذي عليه، وأخّر له الأجل إلى حين، وفي الأثمان يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده في العام القابل أضعفه أيضًا، فإذا كانت مائة جعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده من قابل جعلها أربعمائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه (24) ، فهذا قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? [آل عمران:130] .

وإذا كان الأمر على هذا النحو، وأصحاب الديانات كلهم يحرمون الربا، كيف إذن بدأ وانتشر في العالم؟

لقد كانت الجاهلية تتعامل بالربا قبل الإسلام، فجاء الإسلام وحرمه كما هو معلوم بالنصوص، وسد كل أبوابه ووسائله وذرائعه ومنافذه، حتى ما كان فيه شبهة من ربا منعه وحرمه، كمنعه عليه الصلاة والسلام من بيع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر جيد .. فامتثل الناس لذلك، وتلاشى الربا، وحل محله البيع والقرض الحسن والصدقة والزكاة..

وكما قلنا كانت أوربا التي تدين بالنصرانية تحرم الربا وتنهى عن التعامل به، أما اليهود ـ والذين كانوا يمتنعون من التعامل بالربا فيما بينهم ـ كانوا ممنوعين من التعامل به مع غيرهم تحت وطأة الكراهية والذل الذي كانوا فيه.. ولكن ومنذ أواخر القرن السادس عشر ميلادي بدأت أوربا بالتمرد على هذا الحكم الإلهي..ففي عام 1593م وضع استثناء لهذا الحظر في أموال القاصرين، فصار يباح تثميرها بالربا، بإذن من القاضي، فكان هذا خرقًا للتحريم.. ثم تبع ذلك استغلال الكبار لنفوذهم، فقد كان بعض الملوك والرؤساء يأخذون بالربا علنًا، فهذا لويس الرابع عشر اقترض بالربا في 1692م، والبابا التاسع تعامل كذلك بالربا في سنة 1860م.

كانت تلك محاولات وخروقات فردية.. لكن الربا لم ينتشر ولم يقر كقانون معترف به إلا بعد الثورة الفرنسية، فالثورة كانت ثورة على الدين والحكم الإقطاعي والملكي..وكان من جملة الأحكام الدينية في أوربا كما علمنا تحريم الربا، فنبذ هذا الحكم ضمن ما نبذ من أحكام أخر، وكان لا بد أن يحصل ذلك، إذ إن اليهود كانت لهم اليد الطولى في تحريك الثورة الفرنسية واستغلال نتائجها لتحقيق طموحاتهم، من ذلك إنشاء مصارف ربوية، لتحقيق أحلامهم بالاستحواذ على أموال العالم، وجاءت الفرصة في تلك الثورة، وأحل الربا وأقر. فقد قررت الجمعية العمومية في فرنسا في الأمر الصادر بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1789م أنه يجوز لكل أحد أن يتعامل بالربا في حدود خاصة يعينها القانون (25) .

أصدرت فرنسا التمرد على الدين وعزله عن الحياة إلى كل أوربا، ومن ذلك التمرد على تحريم الربا، وقد كان اليهود في ذلك الحين من أصحاب المال، وبدأت الثورة الصناعية، واحتاج أصحاب الصناعات إلى المال لتمويل مشاريعهم، فأحجم أصحاب المال من غير اليهود عن تمويل تلك المشاريع الحديثة خشية الخسارة..أما اليهود فبادروا بإقراضهم بالربا، ففي قروض الربا الربح مضمون، ولو خسر المقترض، وقد كانت أوربا في ذلك الحين مستحوذة على بلدان العالم بقوة السلاح، فارضة عليها إرادتها، فلما تملك اليهود أمرها وتحكموا في إرادتها كان معنى ذلك السيطرة والتحكم في العالم أجمع، ومن ثم فرضوا التعامل بالربا على جميع البلاد التي تقع تحت سيطرة الغرب، فانتشر الربا وشاع في كل المبادلات التجارية والبنوك، فاليهود كانوا ولا زالوا إلى اليوم يملكون اقتصاد العالم وبنوكه..إذن.. اليهود هم وراء نشر النظام الربوي في العالم (26) .

شبه حول تحريم الربا:

مما يروج له المماحكون في موضوع الربا عدة أمور:

1-أنّ الزيادة في القرض حق للمرابي، لأن المال الذي يدفعه للمقترض يتيح له الفرصة للعمل وللربح تمامًا كما هو حال صاحب الدار الذي يتيح للمستأجر فرصة الانتفاع بالسكنى فيأخذ الأجرة في مقابل ذلك فالقضية في مجملها، هي أن تكون الزيادة في مقابل المنفعة، فكيف يكون ذلك أكلًا للمال بالباطل.

ونجيب على ذلك، بأنّ المنفعة في الدار هي أمر حقيقي قائم بالدار، وهي ملك لصاحبها كما هي الدار ملك له فيستحق العوض عليها من مستثمرها الذي لا يتحمل أيّة مسؤولية فيما يحدث للدار إذا لم يكن هناك اعتداء من قبله فإذا تلف شيء من الدار من دون تعدّ ولا تفريط فإن المالك هو الذي يتحمله وحده، أما رأس المال في القرض فأن العامل يتحمل مسؤوليته، بالإضافة إلى الزيادة، من دون أن يتحمل صاحب المال شيئًا، فهو رابح دائمًا بينما يكون العامل معرّضًا للربح والخسارة، مما يعني أن القضية ليست انتفاعًا بمال الآخرين في مقابل أجرة، بل القضية هي الانتفاع بماله الذي يتملكه بالقرض في مقابل ضمانه له ... وتحمّله لمسؤوليته ... مما يجعل بين الأمرين فرقًا كبيرًا.

2-أن الزيادة المأخوذة في معاملة الربا، ليست زيادةً في الحقيقة، بل هي تعويض لصاحب المال عن الخسارة الطارئة بسبب ضعف القوّة الشرائية للعملة على مرور الزمن ... وربما تكون الخسارة أكثر من التعويض، كما نشاهده في العملات التي تهبط إلى أكثر من النصف، بينما تكون الزيادة بنسبة خمسة بالمائة أو أكثر أو أقل قليلًا ... وذلك من خلال الأوضاع الاقتصادية المرتبكة.

ونجيب على ذلك: أن القضية إذا كانت على هذا الأساس، فكيف نصنع بالحالة الاقتصادية التي تساهم في رفع سعر العملة، فهل يتوقف الدائن عن طلب الزيادة، أم يظل على موقفه في حالة الزيادة والنقصان ... إن فكرة التعويض لا تنسجم مع طبيعة قانون الربا الذي لا يراعي الدقّة في هذا الجانب فيما يفرضه من زيادة ثابتة في جميع الأحوال ...

3-إن بعض الناس قد يحتاجون إلى أن يحركوا أموالهم في اتجاه الربح من دون أن يقدّموا عملًا عضويًا أو فكريًا في ذلك، إمّا لعجزهم عن العمل وإمّا لظروف ذاتية خاصة ... فما هي الطريقة إلى تحقيق ذلك، بدلًا عن الرّبا ... وقد يضيف هؤلاء، إننا نعرف أن الربح لا يتحرك من خلال العمل، بل ينطلق من عنصرين ... رأس المال، والعمل، فلولا المال لما تمكن العامل من التجارة، ولما استطاع صاحب المصنع أن يصل إلى ما يريده من مستوى الإنتاج، فلابد من أن يكون لرأس المال حصة من أجل تحقيق العدالة والتوازن في هذا المجال.

ونجيب على ذلك ... بأن الإسلام قد وضع حلًا عمليًا يرتكز على المزاوجة بين رأس المال وبين العمل وهو المضاربة، التي تمثل الشركة بين صاحب المال وبين العمل بحيث تكون النتيجة لهما على حسب الاتفاق بينهما في مقدار الحصّة لأيّ منهما، في حالة الربح، كما أن الخسارة في حالة حدوثها تلحق رأس المال تمامًا كما يخسر العامل عمله ... وبذلك يتم التوازن في حركة المال نحو الربح من دون عمل، وحركة العمل نحو الربح من دون رأس مال ... فيتحمل كل منهما خسارة الجانب الذي يقدّمه في حالة الخسارة، كما يحصل كل منهما على الربح في حالة الربح ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت