فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 1226

وكذلك ما يولد الربا ليس صلاحًا للاقتصاد بل هو مدمر للاقتصاد، والمشكلة أنَّ بلايا الربا لا تظهر مرة واحدة في كيان المجتمع وكيان الاقتصاد، يقول الرازي: (الربا وإن كان زيادة في الحال إلا إنه نقصان في الحقيقة) ( [1] ) . وهذا مستفاد من النص القرآني:"يمحق الله الربا" [ البقرة:276 ] فالمحق نقصان الشيء حالًا بعد حال … فالذين يتعاملون بالربا يظنون أن فيه كسبًا، والحقيقة التي أخبر بها العليم الخبير، والتي كشف عنها واقع البشر الذي دمره سرطان الربا أن الربا ممحقةٌ للكسب مدمرٌ للاقتصاد، ذلك أنه يطيبه بعلل خبيثة يعي الطبيبَ…. دواؤُها، الربا ليس بركة ورخاء بل هو مرض عضال يُذهب المال ويقلله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل" ( [2] ) . أي: قلة.

وعلماؤنا الذين أبصروا الحقائق من خلال النصوص القرآنية والحديثية أدركوا هذه الحقيقة، يقول الرازي: (إن الربا وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وإن الصدقة وإن كانت نقصانًا في الصورة فهي زيادة في الحقيقة) ( [3] ) .

ويقول المراغي: (إن عاقبة الربا الخرابُ والدمار، فكثيرًا ما رأينا ناسًا ذهبت أموالهم، وخربت بيوتهم بأكلهم الربا) ( [4] ) .

ويقول القاسمي: (المال الحاصل من الربا لا بركة له، لأنه حاصل من مخالفة الحق، فتكون عاقبته وخيمة) ( [5] ) .

والآفات الاقتصادية التي يجلبها الربا كثيرة ( [6] ) ، وسنذكر بعضها فيما يلي مبتدئين بالآثار العامة لهذه الآفة الاقتصادية - آفة الربا-:-

المبحث الأول:- الآثار الاقتصادية العامة للربا

والآثار العامة للربا على الاقتصاد كثيرة منها ما يلي:-

1.الربا من أسباب غلاء الأسعار:-

يشكو العالم اليوم من غلاء الأسعار، وسببه يرجع إلى حدٍّ كبير إلى النظام الربوي السائد اليوم، لا يرضى صاحب المال، إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة، أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح أكثر من نسبة الربا، وذلك لأنه يفكر بأنه استثمر المال وبذل الجهد واستعد لتحمل الخسارة فلا بد أن تكون نسبة الربح أكثر من نسبة الربا، وكلما زادت نسبة الربا غلت الأسعار أكثر منها بكثير، هذا إذا كان المنتج أو التاجر صاحب مال.

وأما إذا كان المنتج أو التاجر ممن يقترض الربا، فرفعُه أسعار منتجاته وسلعته أمرٌ بدهي، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه ربا…. يقول أحد علماء الغرب: (لعله يلزم أن تكون نسبة الربح من(15) إلى (20%) لترغيب الناس في مخاطرة الاستثمار عندما يكون سعر الفائدة الخالص (5) أو (6%) ، وتُحدث تلك النسبة من الربح تفاوتًا في توزيع الدخل الفردي، وعند انخفاض السعر الخالص إلى (2) أو (3%) تحت تأثير نظام المصارف أو الوسائل المالية الأخرى سيكون ممكنًا للمبادلة الاجتماعية أو السلطات المباشرة خفض نسبة الربح إلى (5) أو (10%) ) ( [7] ) .

ولا يقف الأمر عند غلاء الأسعار، بل يحدث اضطراب في حياة الناس حيث لا يتمكنون من شراء حاجاتهم الأساسية بسبب غلاء الأسعار ( [8] ) .

هذا لأن الربا والفائدة سبب في رفع تكاليف الإنتاج التي يترتب عليها رفع الأسعار وهذا يؤدي إلى أضرار محققة على الناحية الاقتصادية ( [9] ) .

2.الربا من أسباب البطالة:-

يتسبب الربا في انتشار البطالة، وذلك لأن أصحاب الأموال يفضلون أموالهم بالربا على استثمارها في إقامة مشروعات صناعية أو زراعية أو تجارية، وهذا- بالتالي- يقلِّل فرص العمل، فتنتشر البطالة في المجتمعات التي يسود فيها التعامل الربوي، ويؤكد هذا ما نشاهده من معاناة الدول الغربية من مشكلة البطالة رغم تقدُّمها فنيًا وتطورها في الصناعة…

وتبذل حكومات تلك الدول الجهد لتشغيل الناس والسيطرة على مشكلة مع إبقاء سبيلها؟ وقد بَيَّن علماء الغرب الارتباط الوثيق بين البطالة والتعامل الربوي، يقول أحدهم: (من مصلحتنا أن نخفض سعر الربا إلى درجة يتمكن من تشغيل الناس جميعًا) ( [10] ) . ( [11] ) .

3.التضخم:-

التضخم يقصد به: وجود اتجاه صعودي في الأثمان بسبب وجود طلب زائد أو فائض بالنسبة إلى إمكانية التوسع في العروض.

والتضخم له أسباب طبيعية وأسباب غير طبيعية، ومن الأسباب غير الطبيعية الربا، فالمرابي بما يقرضه من فائدة مرتفعة يجبر أصحاب السلع والخدمات على رفع أثمان هذه السلع والخدمات، ولا شك أن التضخم يسيء إلى الناس كثيرًا خاصة أصحاب الدخول النقدية الثابتة كالموظفين والعمال، ومن ثمَّ تنخفض دخولهم الحقيقية، وإذا اضطرت الحكومات إلى مواجهة الأمر برفع دخول الموظفين والعمال فالملاحظ أن تقرير الزيادة لا يتم بسرعة وفي الوقت المناسب، ولذلك يجب أن يعمل المفكرون ورجال السياسة والاقتصاد على محاربة التضخم، خاصة ذلك النوع الذي يُسمِّيه الاقتصاديون بالتضخم الجموح والذي ترتفع فيه الأثمان ارتفاعًا غير طبيعي، ومن أعظم الأسباب التي تؤدي إليه الربا، فمنعه إنما هو علاج لمرض خطير ( [12] ) .

4.الربا يسبب شقاوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية:-

يبدو أن النظام الربوي يساعد المقترضين، حيث يتمكنون من تلبية حاجاتهم بالمال الذي ينالونه بالقرض، لكن إذا نظرنا إلى ما يترتب على هذا الاقتراض وجدنا أنه سبب دمارهم وشقاوتهم،…. إنَّ نسبة الربا التي يتقاضاها المرابون من هؤلاء عالية جدًا … ونتيجة لذلك، إذا وقع أحدٌ فريسةً للمرابين، فلا يكاد يخرج من شباكهم، يدفع المقترض ربا الدَّين، في كثير من الأحيان أكثر من أصل الدَّين، في حين يبقى الدَّين في ذمته كاملًا غير ناقص، وقد قيل عن حالة المدين المزارع في الهند:- (يولد الفلَّاح وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين) ( [13] ) ، وقد بين هذا علماؤنا قبل الغرب أثناء ذكرهم حكمة تحريم الربا، يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله- أثناء بيانه حكمة تحريم ربا القروض:- (فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحقَّ يؤخر مطالبته، ويصبر عليه بزيادة يبذلها له، تكلَّف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدَّين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخيه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا) ( [14] ) .

5.منع الربا من الاستثمار في المشروعات المفيدة للمجتمع:-

يجد صاحب المال في النظام الربوي فرصة للحصول على نسبة معينة من الربا على ماله، وهذا يصرفه عن استثمار ماله في مشروعات صناعية وزراعية وتجارية مهما كانت مفيدة للمجتمع، إلا إذا اعتقد حصول نسبة ربح أكثر من تلك المشروعات من نسبة الربا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت