إن الربا بما يحدثه في النفوس من أمراض، وبما يوجده في الاقتصاد من بلايا، وبما يصنعه من خلل يصيب المجتمعات الإنسانية بالدمار…وقد لعب الربا دورًا هامًا في انهيار المجتمعات..وظهور الاقتصاديات القائمة على الرق منظرًا لأن القرض قبل زمن كان مضمونًا بشخص المقترض نفسه إلى جانب ضمانات أخرى كانت النتيجة نزع ملكية صغار المزارعين، وتحويل عدد منهم إلى رقيق، مما أدى في النهاية إلى تركيز الملكية العقارية في أيد قلائل، هذا ما فعله الربا في الماضي، وقد استطاع الكُتَّاب الذين لم يتعمقوا في باطن الأمور أن يدركوا آثاره في تلك المجتمعات، ولكن كثيرًا من هؤلاء يظنون أن الفائدة الربوية اليوم لا تحدث في المجتمعات الإنسانية ما أحدثته في تلك المجتمعات، لقد حول المرابون في القديم البشرَ إلى عبيد يعملون في المزارع التي سرقوها من أولئك العبيد، ولا يزال المرابون إلى اليوم يسعون إلى السيطرة على ثمار جهود البشر وسرقة عَرَقِهم وأموالهم….وقد يقال إن الحال اليوم قد تغير، والفائدة أصبحت محدودة، وهي لا ترهق الأفراد ولا المؤسسات ولا الحكومات، وهذا قصور في النظر وخطل من القول، فإن فوائد البنوك الربوية وبيوتات المال في أوائل القرن لم تكن تتعدى الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة في المائة على أكثر تقدير، أما اليوم فإن الفائدة التي كانت تعلنها البنوك الربوية قد بلغت (18) أو (20) في المائة، وقد بلغ الربا في بعض المعاملات في إحدى الدول في أزمة من الأزمات (800) في المائة وكان حجم الأموال التي سببت الأزمة بلغ (27) مليارًا منها (9) مليارات تراكمت بسبب الربا والذين لا يأكلون الربا كانوا أبعد الناس عن التأثر بتلك الأزمة.
ومما يدل على أن هذا البلاء لا يزال آخذًا بأنفاس الناس، ولا يزال رابضًا على قلوبهم، أن ما يسمى بدول العالم الثالث اليوم مثقلة بديون لا تستطيع صادراتها كلها أن تفي بسداد خدمة الديون الربوية ( [26] ) .
4.عدم استخدام المواهب في نهضة البلاد واستغلال خيراتها:-
فهو يربي الإنسان على عدم استخدام مواهبه التي أنعم الله بها عليه في العمل النافع والإنتاج المثمر، فيقعد عن العمل والسعي في الأرض وإذا وجد أن إيداعه لنقوده في بنك مثلًا يمكنه من الأكل من ربحها، فيفعل ذلك ويترك العمل ويصبح عضوًا فاسدًا في المجتمع حيث أفسد تعامله بالربا خلقه وشعوره تجاه أخيه فتفسد بذلك حياة الجماعة… ( [27] )
5.التعامل بالربا يؤدي إلى خَلْق طبقة مترفة لا تعمل:-
حيث تعتمد هذا الطبقة على ما يعود لها من الأرباح الربوية، فتتعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها، إذ من يحصل على درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة ( [28] ) .
6.استغلال حاجة المحتاجين:-
فالربا يستغل حاجة المحتاجين ويلحق بهم الكثير من الأضرار دون اختيار منهم ( [29] ) ، فالمجتمع الذي يتعامل بالربا مجتمع منحل، متفكك لا يتساعد أفراده فيما بينهم، ولا يساعد أحد غيره إلا إذا كان يرجو من ورائه شيئًا ( [30] ) .
7.الربا يلغي معاني الفضيلة:-
فهو يلغي معاني الفضيلة، والتعاون على البر والتقوى ( [31] ) ، فالمرابي الذي قد أعشى نظره بريقُ المال لا يعرف إلا مصالحه وهو يبغض كل ما يؤدي إلى انقطاع أرباحه الربوية، وبهذا تتربى عنده تلك الخصال الذميمة من الشَّره والبخل والكسل والجبن هي مضادة تمامًا لمعاني الفضيلة من الكرم والشجاعة والتعاون وحب الخير لعموم المسلمين.
8.انقطاع المعروف بين الناس من القرض:-
لعل من الحكم في تحريم الربا أنه يؤدي إلى انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض، إذْ لو حَلَّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله ( [32] ) .
9.أنه وسيلة الاستعمار:-
يقول السيد سابق رحمه الله:- (وهو وسيلة الاستعمار، ولذلك قيل: الاستعمار يسير وراء تاجر أو قسيس، ونحن قد عرفنا الربا وآثاره في استعمار بلادنا) ( [33] ) .
هذه بعض الآثار التي تظهر في ذلك المجتمع الذي يتعامل بالربا، وهذا بعض ما يلاقيه من استبدل أوامر الله تعالى ومنهجه السوي بغيره من المناهج الأرضية ولو التزم الناس بأوامر دينهم التي منها ترك الربا وتحريمه، لعاشوا حياة سعيدة بعيدة عن الشقاء والضرر، ولكن الله سبحانه جعل السعادة لأهل الإيمان، والشقاء لمن أعرض عن الله وعن ذكره، والله المستعان.
( [1] ) الربا وخطره وسبيل الخلاص منه: 29 .
( [2] ) أي عبودية البشر .
( [3] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 101 - 102 .
( [4] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 102 .
( [5] ) الربا وخطره وسبيل الخلاص منه: 29 - 30 . وانظر أيضًا الربا أضراره وآثاره: 52 .
( [6] ) أي آفة الربا وهي آفة اجتماعية واقتصادية .
( [7] ) تحريم الربا تنظيم اقتصادي: 14 - 15 .
( [8] ) السابق: 17 .
( [9] ) تحريم الربا تنظيم اقتصادي: 18 - 19 . والربا وأثره على المجتمع الإنساني: 104- 105 .
( [10] ) تفسير القاسمي: 3 / 701 .
( [11] ) السابق .
( [12] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 107 -108 .
( [13] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 102 - 103 . وقد تقدم أن هذا الكسل تصحبه آثار أخرى من الاضطراب وغيره مما يجعل المرابي ليس مرتاحًا في حياته .
( [14] ) سبق المراد بالكفر هنا .
( [15] ) تفسير ابن كثير: 1 / 312 .
( [16] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 108 -109 .
( [17] ) مسلم بشرح النووي: 7 / 88 رقم ( 1015 ) والترمذي: 8 / 174 رقم ( 2992 ) وأحمد: 2 / 2328 . والدارمي: 2 / 210 رقم ( 2720 ) .
( [18] ) جامع العلوم والحكم: 1 / 275 - 277 . وفيه الآثار عن عمر ومالك بن دينار وبعض السلف .
( [19] ) الربا للمودودي: 50 -51 .
( [20] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 108 - 109 .
( [21] ) الاقتصاد الإسلامي: 85 .
( [22] ) التدابير الواقية: 90 -91 .
( [23] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 109 -110 .
( [24] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 111 - 114 . بتصرف . والربا خطره وسبيل الخلاص منه: 30 .
( [25] ) تيسير العلام: 2 / 198 .
( [26] ) الربا وأثره على المجتمع الإنساني: 114 - 118 . بتصرف .
( [27] ) الربا خطره وسبيل الخلاص منه: 30 .
( [28] ) فقه وفتاوى البيوع: 154 . ومن محاسن الدين الإسلامي: 81 .
( [29] ) الاقتصاد الإسلامي: 85 .
( [30] ) الربا أضراره وآثاره: 52 .
( [31] ) الاقتصاد الإسلامي: 85 .
( [32] ) فقه وفتاوى البيوع: 154 . ومن محاسن الدين الإسلامي: 81 .
( [33] ) فقه السنة: 3 / 157 .
الفصل الخامس: آثار الربا الاقتصادية
تمهيد
إن الربا آفة من الآفات، إذا أصابت الاقتصاد فإنها تنتشر فيه انتشار السرطان في جسم الإنسان، وكما عجز الأطباء عن علاج السرطان فإن المفكرين ورجال السياسة والاقتصاد عجزوا عن علاج بلايا الربا.
ومن العجيب أن بعض الناس ظنوا أن الربا يحدث خيرًا للناس، ومثلهم في ذلك مثل الذين يظنون أن التورم في بعض الأجساد الناشئ من المرض صحةً وعافيةً، فليس كل تضخم في الجسم صلاحًا، إن السرطان إنما هو تكاثر غير طبيعي لخلايا الجسم، وهذا التكاثر ليس في مصلحة الإنسان، بل هو مدمر لحياته، وفاتك به.