وقال: ( المال الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده، فيصرف في مصالح المسلمين، والصدقة من أعظم مصالح المسلمين، وهذا أصل عام في كل مال يجهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه كالمغصوب والعواري والودائع يتصدق بها عن صاحبها أو يصرفها في مصالح المسلمين على مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وإذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير أخذها؛ لأن المعطي هنا إنما يعطيها نيابة عن صاحبها) (37) .
قال القرطبي: (قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت ربًا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرًا فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك) (38) .
وقال الغزالي: ( إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه -فإن كان له مالك معين- وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء...) (39) .
الحال الثالثة: إذا كان مستحق الأرباح الربوية معلومًا وأمكن الرد إليه، بيْدَ أنه يعرف عنه التعامل بالحرام كالمقبوض من البنوك أو الشركات التي تتعامل بالربا، والمقبوض على الزنا - مهور البغاء - والغناء ولعب القمار وثمن الخمر، والمقبوض على النياحة وغير ذلك فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه الحال أنه لا يجوز رد المال والربح على ذلك الزاني ولا تلك الشركة وذلك البنك، حتى لا يجمع له بين العوض والمعوض، وعليه إذا قبض المشتري تلك الأرباح أن يتصدق بها بنية التخلص منها وهذا قول عند المالكية (40) ، وعند الحنابلة، وهو المنصوص عن أحمد في ثمن الخمار أنه لا يرد إلى صاحبه، ويجب عليه التخلص منه والتصدق به في مصالح المسلمين (41) ، وانتصر لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (42) ، وابن القيم (43) .
والقاعدة عند هذين الشيخين-رحمهما الله- في هذه المسألة: (كل كسب خبيث لخبث عوضه عينًا كان أو منفعة يكون التخلص منه بالصدقة به ) (44) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن امرأة كانت مغنية، واكتسبت في جهلها مالًا كثيرًا وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى، وهي محافظة على طاعة الله، فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه ؟
فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة (45) مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبًا لمن يتخذه خمرًا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر، فهنا لا يُقضى له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يحكم برده فإن هذا معونة لهم على المعاصي إذا جُمِع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين (46) ، فإن تابت هذه البغيِّ وهذا الخمَّار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أُعْطِي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب، فهذا خبيث، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( مهر البغي خبيث ) ) (47 ) ) (48) ، وقال: (نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم، ثم تابوا، هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها قولان: أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر) (49) .
وقال ابن القيم: ( فإن قيل: فما تقولون فيمن سُلِّم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنى واللواط؟ قيل إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به باتفاق الأمة، وإن كان قد قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك،والجمهور يقولون يرده عليهم؛لأنه قبضه قبضًا فاسدًا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما: أنه يرده عليهم، والثانية: لا يأكله ولا يرده بل يتصدق به، قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليهم ولا يباح للأخذ، ويصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر) (50) ، وقال في موضع آخر: ( فصل المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح، وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين) (51) .
وقال (إن الذي عاوض على خمر أو خنزير أو على زنا أو فاحشة أو غير ذلك أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يرد العوض إليه ؛ لأنه لا يسوغ عقلًا أن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسيرًا لأصحاب المعاصي، وماذا يريد الزاني وصاحب الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرًا، فقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأت به الشريعة) (52) . والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(1) قال المنذري (السحت بضم السين وإسكان الحاء وبضمهما أيضا هو الحرام وقيل هو الخبيث من المكاسب)
الترغيب والترهيب (2/349) .
(2) (انظر الكلام حول هذا الحديث: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي(398) وتلخيص الحبير (4/149)
(3) انظر: موقع هيئة الأوراق المالية والسلع الإمارات العربية المتحدة (المصطلحات ) ، وموقع وزارة التجارة والصناعة في المملكة العربية السعودية.
(4) قَبْض الأسهم: وضعها في المحفظة؛ لأن القبض مرجعه إلى العرف-كما مقرر- و لا يعتبر قابضًا للأسهم عرفًا إلا بوضعها في المحفظة،والله أعلم.
(5) المدونة الكبرى (4/145) ، والتمهيد لابن عبد البر (5/29) ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/230) ، والاستذكار (21/139) .
(6) الأم (2/53) و (3/247) و (6/184) ، والمهذب للشيرازي (1/275) ، والحاوي الكبير (5/316) ، والمجموع (9/377) ، وروضة الطالبين (3/72) ، والأنوار لأعمال الأبرار (1/333) .
(7) المغني (6/327) ، والإنصاف (4/473) ، وشرح منتهى الإرادات (3/237) ، وكشاف القناع (3/245) ، والفروع (6/287) ومعه تصحيح الفروع وحاشية ابن قندوس، والمستوعب للسامري (2/61) ، وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز للبغدادي الحنبلي (3/561) ، والمحرر في الفقه (1/323) . وتقرير القواعد لابن رجب (2/189) .
(8) ومنهم زفر والسرخسي، انظر: الجامع الصغير (1/332) ، وأصول السرخسي ص (83 ) .