فهرس الكتاب

الصفحة 1053 من 1226

وقال ابن عبد البر: ( قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه:"وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" [البقرة:279] .

ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (11) .

وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا) (12) .

وقال السرخسي من الحنفية: ( إن الربا... لا يكون موجبًا للملك بكل حال) (13) .

القول الثاني:

ذهب جمهور الحنفية (14) إلى أن العقود الفاسدة ومنها الربا تملك إذا اتصل بها القبض، ولكنه ملك خبيث يجب فسخه، فإن تصرف به ببيع أو هبة أو نحوه صح، وعليه فإن الأوراق المالية الربوية تملك عند جمهور الحنفية إذا اتصل بها القبض، لكنها ملك خبيث يجب عليه رد الربا على من أربى عليه.

والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- أن الأوراق المالية الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، ويجب فسخ ما قبض منها، فيرد الأوراق المالية إلى بائعها، ويسترد ثمنها إن أمكن، وإلا يتخلص منها بالبيع (15) .

و الأدلة على هذا كثيرة ومن أقواها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (( جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( من أين هذا؟ ) )فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: (( أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به ) ) (16) ، وفي رواية لمسلم: (( فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ) ) (17) .

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالرد ولم يقره على هذا العقد الربوي، بل أمر بفسخه مع اتصال القبض به.

قال النووي عند هذا الحديث: ( وقوله:-صلى الله عليه وسلم- [هذا الربا فردوه] هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب رده على بائعه وإذا رده استرد الثمن) (18) ، وقال ابن حجر: (وفيه أن البيوع الفاسدة ترد) (19) .

حكم أرباح الأوراق المالية بعد القبض:

لما عرفنا حكم تملك الأوراق المالية بالقبض، بقي حكم ما ينتج عن تلك الأوراق من أرباح، وإن أقرب تكييف فقهي لتلك الأرباح هو نماء المقبوض بعقد فاسد، وهذا النماء من قبيل النماء المنفصل غير متولد من الأصل كالكسب والغلة، والعلماء مختلفون في حكم نماء المقبوض بعقد فاسد من حيث ملكيته تبعًا لاختلافهم في ملكية أصله على القولين السابقين.

أما من حيث وجوب رد النماء إلى مالك الأصل (البائع) فلم تختلف أقوال المذاهب الأربعة في ذلك؛ فإنهم قضوا بوجوب رد النماء -ومنه الأرباح- مع أصله إلى البائع وأن ذلك النماء والربح لا يمنع الفسخ، - وإليك بيان ذلك:

أما الشافعية، والحنابلة، والظاهرية: فهم على قاعدتهم السابقة لايثبتون الملك بالقبض، ويوجبون رد المقبوض بعقد فاسد ونماءه سواء أكان ربويًا أم غير ربوي.

أما المالكية: فإنهم لا يثبتون الملك في العقود الربوية مطلقًا، وهو مفسوخ عندهم أبدًا سواء فات أم لم يفت، ولا يكون فيه إلا الرد أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز

فيه ما يجوز في غيره (20) ولا ينتقل الضمان فيه للمشتري.

فظاهرٌ أن الغلة والأرباح لا تأثير لها على الحكم في العقد الربوي-عند المالكية-، وأن هذه الزيادات لا تصِّير العقد فائتًا، وبالتالي يجب عندهم رده وأرباحه على من أربى عليه (21) .

جاء في مواهب الجليل: ( وهنا - أي في العقد الربوي - لم ينتقل الضمان لبقاء المبيع تحت يد بائعه، فلا يحكم له -أي المشتري-بالغلة بل لو قبض المشتري المبيع، وتسلمه بعد أن أخلاه البائع ثم آجره المشتري للبائع لم يجز؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو...) (22) .

أما الحنفية (23) : فإنهم وإن أثبتوا الملك بالقبض إلا أنهم قالوا: إن الزيادة- المنفصلة- على المقبوض بعقد فاسد لا تمنع الفسخ، ويجب ردها مع أصلها إلى البائع، ولزوم ضمانها عند التلف، سواء أكانت هذه الزيادة المنفصلة متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد فكذلك الزيادة، كما في الغصب، أم كانت الزيادة غير متولدة من الأصل كالهبة والصدقة والكسب والغلة والأرباح؛ لأن الأصل مضمون الرد، وبالرد ينفسخ العقد من الأصل فتبين أن الزيادة حصلت على مالكه (24) .

الترجيح:

يلاحظ في المسألة أنه وإن اختلف العلماء في تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض إلا أن المذاهب الأربعة اتحد قولهم في الأرباح، فإنهم اتفقوا على أن هذه الأرباح الربوية والتي تعتبر نماءً منفصلًا من ملك البائع لاتمنع الفسخ ويجب ردها مع الأصل إلى البائع؛ حتى على رأي الحنفية الذين يثبتون الملكية في المقبوض بعقد فاسد؛ لأنها حصلت في ملكه، وحتى على رأي المالكية الذين يعتبرون النماء فوتًا في المبيع يثبت به الملك في المقبوض بعقد فاسد إلا الربا لأن الربا عندهم لايثبت فيه الملك أبدا .

ومع أن هذا هو الأصل والراجح في المستحق للربح الربوي إلا أن المستحق شيء وطريقة التخلص منه شيء آخر؛ وذلك أنه قد يستحقه صاحبه ابتداء ولكن لسبب شرعي أو عذر أومانع نصرف الربح الربوي لجهة أخرى دون مستحقه ابتداء .

لذا يقال إن مستحق الربح الربوي لا يخلو من ثلاث حالات .

الحال الأولى: إذا كان مستحق هذه الأرباح الربوية شخصًا معينًا معلومًا، ويمكن ردها -أي الأرباح والأصل- إليه، ولم يكن معروفًا بالتعامل بالربا والحرام فالواجب في هذه الحالة رد تلك الأرباح وأصلها إليه؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، والأرباح لها حكم أصلها؛ لأنها تبع، والتبع يتبع الأصل (25) ، والتبع يملك بملك الأصل (26) ، والتابع لا يفرد بالحكم (27) .

الحال الثانية: إذا كان مستحق الأرباح مجهولًا أو تعذر الرد إليه ولم يكن معروفًا بالتعامل بالربا والحرام فإنه يجب على المشتري التخلص من المقبوض بعقد ربوي وأرباحه بالتصدق به -على الفقراء والمساكين...- عن صاحبه بنية التخلص منه لا بنية التقرب إلى الله تعالى بهذه الصدقة كما هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (28) والمالكية (29) والحنابلة (30) وبعض الشافعية (31) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من موضع من فتاويه، والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا (32) : ( أن الأموال التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلًا، وأن من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب والمرابي التائب ونحوهم ممن صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه فإنه يصرف إلى ذوي الحاجات ومصالح المسلمين) (33) ، وقال: (هذا عند أكثر العلماء) (34) .

ثم قال: ( إذا تبين هذان الأصلان فنقول: من كان من ذوي الحاجات كالفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل، فهؤلاء يجوز، بل يجب أن يعطوا من الزكوات، ومن الأموال المجهولة باتفاق المسلمين) (35) .

وقال: ( وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح المسلمين، فيعطى منه من يستحق الزكاة، ويقرى منه الضيف، ويعان فيه الحاج، وينفق في الجهاد وفي أبواب البر التي يحبها الله ورسوله كما يفعل بسائر الأموال المجهولة، وهكذا يفعل من تاب من الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه) (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت