فهرس الكتاب

الصفحة 1035 من 1226

وقال رحمه الله: (فلا يربح حتى يصير في حوزته، ويعمل فيها عملًا من أعمال التجارة: إما بنقلها إلى مكان آخر، الذي يشتري في بلد ويبيع في آخر، وإما حبسها إلى وقت آخر، وأقل ما يكون قبضها، فإن القبض عمل، وأما مجرد التخلية في المنقول فليس فيها عمل) (120) .

فإن قيل: فهل يجوز بيعه بأقل من سعر يومه؟ فالجواب: نعم، يجوز ذلك؛ لأنه لم يربح فيه، بل زاد المدين خيرًا، وأبرأه من بعض حقه (121) .

فإن قيل: ما الجواب عن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا بأس أن تأخذها بسعر يومها.." (122) .

فالجواب: أن المفهوم لا عموم له، بل يصدق بصورة واحدة مخالفة (123) . والصورة المخالفة هنا هي إذا باعه بأكثر من سعر يومه، فهذا لا يجوز؛ لأنه يدخل في ربح ما لم يضمنه (124) .

الشرط الثالث: أن يقبض عوضه في مجلس العقد، إن باعه بما لا يباع به نسيئة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في أخذ الدراهم عن الدنانير والعكس:"لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء" (125) .

أما إن باعه بما يباع به نسيئة فلا يخلو من حالين:

الأولى: أن يبيعه بمعين، كقوله: بعتك ما في ذمتك بهذا الثوب. فحينئذ لا يشترط القبض في المجلس - بلا إشكال- وهو المذهب (126) .

الثانية: أن يبيعه بغير معين بموصوف في الذمة حال، كقوله: بعتك ما في ذمتك بثوب صفته كذا وكذا، فحينئذ يشترط القبض على المذهب (127) ،"لئلا يصير بيع دين بدين" (128) . والصحيح أنه لا يشترط القبض هنا أيضًا.

واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (129) ، وتلميذه العلامة ابن القيم، (130) (131) والعلامة الشيخ محمد بن عثيمين (132) -رحمة الله على الجميع- لعدم جريان ربا النسيئة بينهما (133) ، وقد تقدم الجواب عن دليل المذهب.

الشرط الرابع: ألا يباع بمؤجل، إن كان مؤجلًا باقيًا على تأجيله، لم يُسقط؛ لأن بيعه بمؤجل إن كان مؤجلًا باقيًا على تأجيله لم يسقط هو بيع الواجب بالواجب، المنهي عنه بالاتفاق كما تقدم- أما إن كان مؤجلًا فأسقطه، واعتاض عنه بمؤجل فجائز على الصحيح.

الشرط الخامس: أن يكون الدين مستقرًا.

فإن كان غير مستقر- كدين الكتابة، وصداق قبل الدخول والخلوة، وجعل قبل عمل، وأجرة قبل فراغ المدة، أو قبل استيفاء نفعها لم يصح بيعه (134) ، لعدم تمام الملك، ولأنه قد يستقر وقد لا يستقر (135) .

ويشترط على المذهب - إضافة إلى ما سبق- ما يلي:

1)ألا يباع لغير من هو عليه.

والصحيح أن ذلك لا يشترط -كما تقدم- وأنه يجوز بيعه للغير بالشروط المتقدمة، وبشروط ثلاثة أيضًا هي: أن يكون الدين ثابتًا ببينة أو إقرار، وأن يكون المشتري قادرًا على استخراجه من المدين، وألا يباع بما لا يباع به نسيئة.

2)ألا يبيعه بمؤجل.

والصحيح أن ذلك لا يشترط، إلا إن كان الدين الذي في ذمة المدين مؤجلًا باقيًا على تأجيله لم يسقط.

3)ألا يكون دين سلم (مسلم فيه) ، والصحيح أن ذلك لا يشترط، وقد تقدم ذلك.

4)ألا يكون رأس مال سلم (ثمن المسلم فيه) ، وذلك بأن يفسخ عقد السلم، فيقوم المسلم ببيع رأس ماله على المسلم إليه، فلا يصح على المذهب - كما تقدم- والصحيح صحته، وعدم اشتراط هذا الشرط، وقد تقدم ذلك أيضًا في آخر المسألة الأولى من المطلب الثالث.

5)ألا يكون ثمنًا لمبيع، ثم يعتاض عنه بما لا يباع بالمبيع نسيئة.

مثل أن يكون الدين ثمنًا لبر فيعتاض عنه بشعير، أو غيره مما يشارك البر في علة الربا، فلا يصح ذلك لئلا تتخذ ذريعة إلى الربا، وحيلة عليه، وهذا هو المذهب (136) . والصحيح أن ذلك جائز، إذا لم يكن حيلة مقصودة.

واختاره موفق الدين بن قدامة (137) ، وشرف الدين بن قاضي الجبل (138) والعلامة ابن القيم (139) والعلامة ابن سعدي (140) .

وقد توسط شيخ الإسلام ابن تيمية بين القولين، فجوزه لحاجة (141) وتبعه على ذلك العلامة الشيخ محمد بن عثيمين (142) رحمة الله على الجميع.

قال ابن القيم -رحمه الله- عن هذه المسألة: (فيها قولان أحدهما: المنع، وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق.

والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر، وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا (143) والأول اختيار عامة الأصحاب، والصحيح الجواز) (144) .

وإلى هنا انتهى ما أردنا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

لمزيد من الاطلاع حول الموضوع:

* عقد الكالئ بالكالئ: تدليلًا وتعليلًا

(1) الدين: ما ثبت من المال في الذمة، معجم لغة الفقهاء ص. 189.

(2) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/512, 29/472 ، والعقود ص235، وتفسير آيات أشكلت 22/638، 665، وإعلام الموقعين 2/8، وإغاثة اللهفان 1/364.

(3) تفسير آيات أشكلت 2/655.

(4) انظر المغني 6/106، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/512، 29/472، والعقود ص 235، وتفسير آيات أشكلت 2/637، 665، إعلام الموقعين 2/8، 3/340.

(5) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/512، 29/472، 30/264، والعقود ص235، وتفسير آيات أشكلت 2/637، 665، وأعلام الموقعين 2/8، وإغاثة اللهفان 11/364.

(6) أخرجه الدار قطني في سننه 3/71-72، والحاكم في مستدركه 2/65-66، والبيهقي في السنن الكبرى 5/290، وقد تفرد به موسى بن عبيدة الربذي، قال الإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه، ولا أعرف هذا عن غيره، وقال أيضًا ليس في هذا حديث يصح. أ.هـ من التلخيص 3/62، والمغني 6/106، والعقود ص 235، وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث. أ.هـ من التلخيص 3/62، وقد ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في العقود ص 235، وفي تفسير آيات 2/638، 665، وابن حجر في البلوغ 2/25، حيث قال:"رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف"وضعفه الألباني في الإرواء 5/220.

(7) العقود ص 235.

(8) تفسير آيات أشكلت 2/665 بتصرف يسير.

(9) العقود ص 235.

(10) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 30/264 بتصرف يسير جدًا.

(11) إعلام الموقعين 2/9.

(12) إغاثة اللهفان 1/364، بتصرف يسير جدًا.

(13) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 29/472.

(14) العقود ص235.

(15) انظر إعلام الموقعين 2/9، وتهذيب السنن 9/262، والإنصاف 12/105-106.

(16) انظر الهداية 3/84.

(17) انظر بداية المجتهد 2/200.

(18) العقود ص 235.

(19) تفسير آيات 2/639.

(20) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 29/472 بتصرف يسير جدًا.

(21) تفسير آيات 2/665.

(22) إعلام الموقعين 2/9 بتصرف يسير.

(23) انظر الإرشاد ص 100.

(24) انظر حاشيته على الروض 1/519، والشرح الممتع 8/447.

(25) تفسير آيات أشكلت 2/665.

(26) العقود ص 235.

(27) العقود ص 235.

(28) تفسير آيات أشكلت 2/639.

(29) المصدر السابق 2/665.

(30) المصدر السابق 2/640.

(31) انظر إعلام الموقعين 2/9، والإنصاف 12/105-106.

(32) انظر إعلام الموقعين 2/9، والشرح الممتع 8/433.

(33) انظر الفروع 4/186، والإنصاف 12/292، 296، 297، 299.

(34) انظر الأخبار العلمية ص 193.

(35) انظر المغني 6/415، والفروع 4/186، والإنصاف 10/292، 296، 297، المبدع 4/1199، والكشاف ومتنه 3/1553، والمنتهى 22/390-391.

(36) انظر الأخبار العلمية ص 193، ومجموع فتاوى 29/503-506، 519، والفروع 4/186، والإنصاف 12/292.

(37) انظر إعلام الموقعين 2/9، وتهذيب السنن 9/260.

(38) انظر المختارات الجليلة ص 149، والإرشاد ص 100، والفتاوى السعدية ص 249، ص25، ص 521.

(39) انظر حاشيته على الروض 1/517، 538 -540، والمنتقى من فرائد الفوائد ص161، والشرح الممتع 8/432.

(40) مجموع فتاوى 29/505.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت