الأول: أن الحديث ضعيف (46) .
الثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، لأنه بهذا سوف يتضمن الربح فيما لم يضمن (47) .
فإن لم يتضمن الربح فجائز، على الصحيح (48) كما سيأتي في القسم الرابع.
فإن قيل: إن بيع دين السلم"المسلم فيه"بيع لما لم يقبض، والبيع قبل القبض منهي عنه (49) . فالجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن النهي إنما كان في الأعيان لا في الديون" (50) ."
بدليل ما ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-:"إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء" (51) .
"فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره" (52) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"إن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملكٍ له، فلا يقاس هذا بهذا، فإن البيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته وهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة، فإنه بيع" (53) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
"وأما نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين، أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملكٍ له فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي في دينه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال، والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهذا لم يملكه شيئًا، بل سقط الدين من ذمته، ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم يسمى بيعًا، وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعًا فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة" (54) .
الثاني: أن النهي عن بيع المبيع قبل قبضه مختص بما إذا باعه على غير بائعه، أما إذا باعه على بائعه فجائز (55) .
فإن قيل: ما الجواب عن قول الموفق ابن قدامة -رحمه الله-:"وأما بيع المسلم فيه قبل قبضه فما نعلم في تحريمه خلافًا.." (56) .
فالجواب:"أنه قال بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه، وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد، وذلك لأن دين السلم مبيع" (57) .
ومثله -على الصحيح- رأس مال السلم- أي بعد فسخ عقد السلم -يصح بيعه (58) ، وهو أحد الوجهين في المذهب (59) ، والوجه الثاني: لا يصح، وهو المذهب (60) .
المسألة الثانية: بيع الدين لغير من هو عليه:
المذهب: لا يجوز بيعه لغير من هو عليه (61) لأنه غير قادر على تسليمه، أشبه بيع الآبق (62) .
وقد نص الإمام أحمد في رواية على جواز بيعه لغير من هو عليه (63) ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (64) .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:
"مذهب مالك يجوز بيعه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه" (65) .
وقال رحمه الله:"بيع الدين ممن هو عليه جائز...، وعند مالك يجوز بيعه ممن ليس هو عليه، وهو رواية عن أحمد" (66) .
وقال رحمه الله:"تنازع العلماء في بيع الدين على الغير، وفيه عن أحمد روايتان، وإن كان المشهور عند أصحابه منعه" (67) .
وقال رحمه الله:
"وهذا -يعني عدم التمكن من التسليم- حجة من منع بيع الدين ممن ليس عليه، قال: لأنه غرر ليس بمقبوض، ومن جوّزه قال: بيعه كالحوالة عليه، وكبيع المودع، والمعار، فإنه مقبوض حكمًا، ولهذا جوّزنا بيع الثمار" (68) . (69)
وقال ابن القيم -رحمه الله-:"نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكمون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع، حكاه شيخنا أبو العباس بن تيمية -رحمه الله- (70) ."
وقد رجَّح محمد -رحمه الله-:"وعن أحمد رواية ثانية بجواز بيعه لغير من هو عليه، لكن بشروط:"
قال الشيخ محمد -رحمه الله-:"وعن أحمد رواية ثانية بجواز بيعه لغير من هو عليه (71) اختارها الشيخ تقي الدين (72) ، قلت: وهو الصواب بشرط أن يكون من عليه الدين غنيًا باذلًا، وأن لا يبيعه بما لا يباع به نسيئة" (73) .
وقال رحمه الله:"ولا يجوز لغير من هو عليه، وعنه: بلى، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو الصواب، لكن بقدر القيمة، كما تقدم لئلا يربح فيما لم يضمن، هكذا اشترط (74) ، وهو صحيح، وينبغي أن يزاد شرط آخر، وهو القدرة على أخذه من الغريم، وإلا لم يصح، لأن من الشروط القدرة على تسليم المبيع.." (75) . وقال - رحمه الله-: (إذا باع دينًا في ذمة مقرٍ(76) على شخص قادر على استخراجه، فالصواب أنه جائز؛ لأنه لا دليل على منعه، والأصل حل البيع) (77) .
لأنه إذا باع دينًا بهذه الصفة، فلن يكون ثمة غرر ولا مخاطرة -حينئذ- كبيع المغصوب على قادر على أخذه (78) وبيع الآبق على قادر على رده (79) .
فإن قيل: ما الحكم إذا تعذر أخذ الدين في المدين؟
فالجواب: أن للمشتري الفسخ- حينئذ- قياسًا على بيع المغصوب على قادر على أخذه (80) فإنه إذا تعذر أخذه فللمشتري الفسخ، على المذهب (81) .
فإن قيل: فهل يجوز بيع دين مؤجل على الغير بدين مؤجل آخر؟ (82) .
فالجواب: لا، لا يجوز ذلك بالاتفاق (83) ، سواء باعه على من هو عليه، أو على الغير (84) ، لاشتغال الذمتين فيه بغير فائدة - كما تقدم في المطلب الأول-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (لا يجوز باتفاقهم - يعني بيع الواجب بالواجب- لأن كلًا منهما شغل ذمته بما للآخر من غير منفعة وصلت لأحدهما، والمقصود بالبيع النفع) (85) .
وقال -رحمه الله-: (المقصود من العقود القبض، فهو - يعني بيع الواجب بالواجب- عقد لم يصل به مقصود أصلًا، بل هو التزام بلا فائدة) (86) .
وقال -رحمه الله-: (ففيه - يعني بيع الواجب بالواجب- شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض، وهو المقصود بالعقد) (87) .
المطلب الرابع
القسم الرابع: بيع الواجب بالساقط
وهو: إسقاط دين ثابت في ذمة شخص، وجعله ثمنًا (رأس مال سلم) لموصوف في الذمة (مسلم فيه) مؤجلٍ معلومٍ (88) (89) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: (كما لو أسلم إليه في كُرِّ - مكيال لأهل العراق- حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين وسقط عنه دين غيره) (90) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-: (بأن يكون لزيد على عمرو دراهم مثلًا فيجعلها رأس مال سلم في طعام ونحوه) (91) .